كتاب الموسوعة الفقهية الكويتية (اسم الجزء: 42)
الْغَطَفَانِيَّ رَئِيسَ غَطَفَانَ قَال لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: يَا مُحَمَّدُ، شَاطِرْنَا تَمْرَ الْمَدِينَةِ. فَقَال: حَتَّى أَسْتَأْمِرَ السُّعُودَ، فَبَعَثَ إِلَى سَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ وَسَعْدِ بْنِ عُبَادَةَ وَسَعْدِ بْنِ الرَّبِيعِ وَسَعْدِ بْنِ خَيْثَمٍ وَسَعْدِ بْنِ مَسْعُودٍ. فَقَال: " إِنِّي قَدْ عَلِمْتُ أَنَّ الْعَرَبَ قَدْ رَمَتْكُمْ عَنْ قَوْسٍ وَاحِدَةٍ، وَإِنَّ الْحَارِثَ سَأَلَكُمْ تُشَاطِرُوهُ تَمْرَ الْمَدِينَةِ، فَإِنْ أَرَدْتُمْ أَنْ تَدْفَعُوهُ عَامَكُمْ هَذَا فِي أَمْرِكُمْ بَعْدُ. فَقَالُوا: يَا رَسُول اللَّهِ، أَوَحْيٌ مِنَ السَّمَاءِ فَالتَّسْلِيمُ لأَِمْرِ اللَّهِ، أَوْ عَنْ رَأْيِكَ وَهَوَاكَ فَرَأَيْنَا نَتَّبِعُ هَوَاكَ وَرَأْيَكَ، فَإِنْ كُنْتَ إِنَّمَا تُرِيدُ الإِْبْقَاءَ عَلَيْنَا فَوَاللَّهِ لَقَدْ رَأَيْتَنَا وَإِيَّاهُمْ عَلَى سَوَاءٍ، مَا يَنَالُونَ مِنَّا تَمْرَةً إِلاَّ شِرَاءً أَوْ قِرًى. فَقَال رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: هُوَ ذَا تَسْمَعُونَ مَا يَقُولُونَ (1) ، هُوَ - وَإِنْ لَمْ يُعْطِهِمْ - فَقَدْ نَبَّهَ بِالرُّجُوعِ إِلَى الأَْنْصَارِ عَلَى جَوَازِ إِعْطَائِهِمْ عِنْدَ الضَّرُورَةِ وَلأَِنَّ مَا يَنَال الْمُسْلِمِينَ مِنْ نِكَايَةِ الاِصْطِلاَمِ أَعْظَمُ ضَرَرًا مِنْ ذِلَّةِ الْبَذْل، فَافْتَدَى بِهِ أَعْظَمَ الضَّرَرَيْنِ.
ب - افْتِدَاءُ مَنْ فِي أَيْدِيهِمْ مِنَ الأَْسْرَى إِذَا خِيفَ عَلَى نُفُوسِهِمْ وَكَانُوا يَسْتَذِلُّونَهُمْ بِعَذَابٍ أَوِ امْتِهَانٍ، فَيَجُوزُ أَنْ يَبْذُل لَهُمُ الإِْمَامُ فِي
__________
(1) حَدِيث: " يَا مُحَمَّد شَاطَرْنَا تَمْر الْمَدِينَةِ. . . " عَزَّاهُ الهيثمي فِي مَجْمَع الزَّوَائِد (6 / 132، 133 - ط الْقُدْسِيّ) إِلَى الْبَزَّارِ والطبراني، وَقَال: فِيهِمَا مُحَمَّد بْن عَمْرو وَحَدِيثه حَسَن، وَبَقِيَّة رُوَاتِهِ ثِقَات
افْتِكَاكِهِمْ مَالاً لِيَسْتَنْقِذَهُمْ بِهِ مِنَ الذُّل، وَإِنِ افْتَدَاهُمْ بِأَسْرَى كَانَ أَوْلَى (1) .
وَرَوَى عِمْرَانُ بْنُ حُصَيْنٍ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَادَى رَجُلاً بِرَجُلَيْنِ (2) .
أَثَرُ الشُّرُوطِ الْفَاسِدَةِ عَلَى عَقْدِ الْهُدْنَةِ:
13 - اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي فَسَادِ عَقْدِ الْهُدْنَةِ عِنْدَ اقْتِرَانِهِ بِشَرْطٍ مِنَ الشُّرُوطِ الْفَاسِدَةِ.
فَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ فِي الْمَذْهَبِ، وَالشَّافِعِيَّةُ فِي مُقَابِل الصَّحِيحِ إِلَى أَنَّهُ لَوْ شُرِطَ فِي عَقْدِ الْهُدْنَةِ شَرْطٌ فَاسِدٌ بَطَل الشَّرْطُ وَلاَ يَجِبِ الْوَفَاءُ بِهِ وَلاَ تَبْطُل الْهُدْنَةُ (3) لأَِنَّهَا لَيْسَتْ كَالْبُيُوعِ مِنْ عُقُودِ الْمُعَاوَضَاتِ الَّتِي تَبْطُل بِفَسَادِ الشَّرْطِ؛ لِمَا يُؤَدِّي إِلَيْهِ مِنْ جَهَالَةِ الثَّمَنِ؛ وَلَيْسَتْ بِأَوْكَدَ مِنْ عُقُودِ الْمُنَاكَحَاتِ الَّتِي لاَ تَبْطُل بِفَسَادِ الْمَهْرِ (4) .
__________
(1) الْحَاوِي للماوردي 18 / 410، وتحفة الْمُحْتَاج 9 / 306، وحاشية الدُّسُوقِيّ 2 / 206، والفتاوى الْهِنْدِيَّة 2 / 197، والمغنى لاِبْنِ قُدَامَةَ 8 / 460 - 461
(2) حَدِيث " أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَادَى رَجُلاً بِرَجُلَيْنِ. . . ". أَخْرَجَهُ مُسْلِم (3 / 1262 - ط الْحَلَبِيّ)
(3) الْفَتَاوَى الْهِنْدِيَّة 2 / 197، ومطالب أُولِي النُّهَى 2 / 587، والمغني لاِبْنِ قُدَامَةَ 8 / 466، والحاوي للماوردي 18 / 412، ومغني الْمُحْتَاج 4 / 261
(4) الْحَاوِي 18 / 412
الصفحة 218