كتاب الموسوعة الفقهية الكويتية (اسم الجزء: 42)

أُقِرُّكُمْ مَا أَقَرَّكُمُ اللَّهُ، وَإِنْ قَالَهُ الرَّسُول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لأَِهْل خَيْبَرَ؛ لأَِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يُوحِي إِلَى رَسُولِهِ مُرَادَهُ دُونَ غَيْرِهِ.
وَيَجُوزُ أَنْ يَقُول: أُقِرُّكُمْ مَا شِئْتُ أَوْ شَاءَ فُلاَنٌ، وَيَكُونُ مَوْقُوفًا عَلَى مَشِيئَتِهِ فِيمَا يَرَاهُ صَلاَحًا مِنِ اسْتِدَامَةِ الْهُدْنَةِ أَوْ نَقْضِهَا، وَلاَ يَجُوزُ أَنْ يَعْقِدَهَا عَلَى مَشِيئَتِهِمْ؛ لأَِنَّهُمْ يَصِيرُونَ مُتَحَكِّمِينَ عَلَى أَهْل الإِْسْلاَمِ وَقَدْ قَال الرَّسُول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: الإِْسْلاَمُ يَعْلُو وَلاَ يُعْلَى (1) .
وَيَجُوزُ لِلإِْمَامِ أَنْ يَعْقِدَهَا عَلَى مَشِيئَةِ غَيْرِهِ مِنَ الْمُسْلِمِينَ: إِذَا اجْتَمَعَتْ فِيهِ شُرُوطٌ ثَلاَثَةٌ:
أَحَدُهَا: أَنْ يَكُونَ مِنْ ذَوِي الاِجْتِهَادِ فِي أَحْكَامِ الدِّينِ.
وَالثَّانِي: أَنْ يَكُونَ مِنْ ذَوِي الرَّأْيِ فِي تَدْبِيرِ الدُّنْيَا.
وَالثَّالِثُ: أَنْ يَكُونَ مِنْ ذَوِي الأَْمَانَةِ فِي حُقُوقِ اللَّهِ تَعَالَى، وَحُقُوقِ الْعِبَادِ، فَإِنْ تَكَامَلَتْ هَذِهِ الشُّرُوطُ مِنْهُ صَحَّ وُقُوفُ الْهُدْنَةِ عَلَى مَشِيئَتِهِ، وَإِنْ أَخَل بِشَرْطٍ مِنْهَا لَمْ تَصِحَّ
__________
(1) حَدِيث: " الإِْسْلاَم يَعْلُو وَلاَ يُعْلَى " أَخْرَجَهُ الدَّارَقُطْنِيّ (3 / 252 - ط الْمَحَاسِن مِنْ حَدِيثِ عَائِذٍ بْن عَمْرو الْمُزَنِيّ، وحسن إِسْنَاده ابْن حَجَرٍ فِي فَتْحِ الْبَارِي (3 / 220 - ط السَّلَفِيَّة)
الْهُدْنَةُ (1) . وَإِنْ أَطْلَقَ الإِْمَامُ الْهُدْنَةَ مِنْ غَيْرِ شَرْطٍ أَوْ عَلَى غَيْرِ صِفَةٍ، بَل قَال: هَادَنْتُكُمْ لَمْ يَجُزْ؛ لأَِنَّ إِطْلاَقَهَا يَقْتَضِي التَّأْبِيدَ (2) .
وَقَال الْحَنَابِلَةُ فِي الْمَذْهَبِ: إِنْ شَرَطَ الإِْمَامُ نَقْضَ الْعَهْدِ لِنَفْسِهِ لَمْ يَصِحَّ الْعَقْدُ؛ لأَِنَّهُ يُنَافِي مُقْتَضَى الْعَقْدِ فَلَمْ يَصِحَّ كَمَا لَوْ شَرَطَ ذَلِكَ فِي الْبَيْعِ وَالنِّكَاحِ. وَكَذَا إِنْ شَرَطَ لِمَنْ شَاءَ مِنْهُمَا؛ لأَِنَّهُ يُفْضِي إِلَى ضِدِّ الْمَقْصُودِ فَلَمْ يَصِحَّ (3) .
وَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ إِلَى أَنَّ عَقْدَ الْهُدْنَةِ غَيْرُ لاَزِمٍ مُحْتَمِلٍ لِلنَّقْضِ، فَلِلإِْمَامِ نَبْذُهُ إِلَيْهِمْ، فَإِنْ رَأَى الإِْمَامُ أَنَّ فِي الْمُوَادَعَةِ خَيْرًا لِلْمُسْلِمِينَ فَوَادَعَهُمْ، ثُمَّ نَظَرَ فَوَجَدَ أَنَّهَا شَرٌّ عَلَى الْمُسْلِمِينَ نَبَذَ إِلَيْهِمْ؛ لأَِنَّهُ ظَهَرَ فِي الاِنْتِهَاءِ مَا لَوْ كَانَ مَوْجُودًا فِي الاِبْتِدَاءِ لَمَنَعَ عَقْدَهَا وَاسْتِدَامَتَهَا؛ وَلأَِنَّ الْمَصْلَحَةَ لَمَّا تَبَدَّلَتْ كَانَ النَّبْذُ جِهَادًا، وَإِبْقَاءُ الْعَهْدِ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ تَرْكٌ لِلْجِهَادِ صُورَةً وَمَعْنًى، وَهُوَ أَمْرٌ غَيْرُ جَائِزٍ وَلَمْ يَقُلْهُ أَحَدٌ.
فَإِنْ رَأَى نَقْضَهَا فَلاَ بُدَّ مِنَ النَّبْذِ تَحَرُّزًا مِنَ
__________
(1) الْحَاوِي الْكَبِير 18 / 408 - 409، وتحفة الْمُحْتَاج 9 / 307، ومغني الْمُحْتَاج 4 / 461، وروض الطَّالِب 4 / 225، والإنصاف 4 / 212 - 213
(2) الْمَرَاجِع السَّابِقَة
(3) الْمُغْنِي لاِبْن قُدَامَةَ 8 / 459 - 460، والإنصاف 4 / 213

الصفحة 220