كتاب الموسوعة الفقهية الكويتية (اسم الجزء: 42)
وَإِنْ كَانَ النَّقْضُ مِنْ بَعْضِهِمْ فَإِمَّا أَنْ يُظْهِرَ الْبَعْضُ الآْخَرُ الرِّضَا بِهَذَا النَّقْضِ أَوْ يَسْكُتُوا عَنْهُ أَوْ يُظْهِرُوا الْكَرَاهَةَ لَهُ.
فَإِنْ أَظْهَرَ الْبَعْضُ الآْخَرُ الرِّضَا فِي قَوْلٍ أَوْ فِعْلٍ فَيَنْتَقِضُ عَهْدُهُمْ جَمِيعًا، النَّاقِضُونَ وَالرَّاضُونَ بِهِ، وَيَصِيرُونَ جَمِيعُهُمْ حَرْبًا.
وَكَذَا إِنْ سَكَتَ الْبَعْضُ الآْخَرُ فَلَمْ يُظْهِرُوا رِضًا بِالنَّقْضِ وَلاَ كَرَاهَةً لَهُ فِي قَوْلٍ أَوْ فِعْلٍ انْتَقَضَ عَهْدُ الْجَمِيعِ، وَيَكُونُ سُكُوتُهُمْ نَقْضًا لِلْعَهْدِ (1) .
قَال اللَّهُ تَعَالَى: {وَاتَّقُوا فِتْنَةً لاَ تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً (2) } ، وَكَذَلِكَ كَانَتْ سُنَّةُ اللَّهِ تَعَالَى فِي عَاقِرِ نَاقَةِ صَالِحٍ، بَاشَرَ عَقْرَهَا أُحَيْمِرُ وَهُوَ الْقَدَّادُ بْنُ سَالِفٍ، وَأَمْسَكَ قَوْمُهُ عَنْهُ، فَأَخَذَ اللَّهُ جَمِيعَهُمْ بِذَنْبِهِ، فَقَال تَعَالَى: {فَكَذَّبُوهُ فَعَقَرُوهَا فَدَمْدَمَ عَلَيْهِمْ رَبُّهُمْ بِذَنْبِهِمْ فَسَوَّاهَا وَلاَ يَخَافُ عُقْبَاهَا (3) } .
وَقَدْ وَادَعَ رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَهُودَ بَنِي النَّضِيرِ، وَهَمَّ بَعْضُهُمْ بِقَتْلِهِ، فَجَعَلَهُ نَقْضًا مِنْهُمْ لِعَهْدِهِ
__________
(1) رَوْضَة الطَّالِبِينَ 10 / 338، ومطالب أُولِي النُّهَى 2 / 591، والمغني 8 / 4621، والبحر الرَّائِق هـ / 86، وبدائع الصَّنَائِع 7 / 109 - 110.
(2) سُورَة الأَْنْفَال / 25
(3) سُورَة الشَّمْسِ / 14 - 15.
فَغَزَاهُمْ وَأَجْلاَهُمْ (1) .
وَوَادَعَ يَهُودَ بَنِي قُرَيْظَةَ فَأَعَانَ بَعْضُهُمْ أَبَا سُفْيَانَ بْنَ حَرْبٍ عَلَى حَرْبِ رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْخَنْدَقِ، وَقِيل: إِنَّ الَّذِي أَعَانَهُ مِنْهُمْ ثَلاَثَةٌ: حُيَيُّ بْنُ أَخْطُبَ وَأَخُوهُ وَآخَرُ، فَنَقَضَ بِهِ عَهْدَهُمْ وَغَزَاهُمْ حَتَّى قَتَل رُمَاتَهُمْ وَسَبَى ذَرَارِيَهُمْ (2) .
وَهَادَنَ قُرَيْشًا فِي الْحُدَيْبِيَةِ، وَكَانَ بَنُو بَكْرٍ فِي حِلْفِ قُرَيْشٍ، وَخُزَاعَةُ فِي حِلْفِ رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَجَعَلَهُ رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَقْضًا لِعَهْدِ جَمِيعِهِمْ فَسَارَ إِلَيْهِمْ مُحَارِبًا، وَأَخْفَى عَنْهُمْ أَثَرَهُ حَتَّى نَزَل بِهِمْ وَفَتَحَ مَكَّةَ (3) .
فَدَل عَلَى أَنَّ الْمُمْسِكَ يَجْرِي عَلَيْهِ فِي نَقْضِ الْعَهْدِ حُكْمُ الْمُبَاشِرِ؛ وَلأَِنَّهُ لَمَّا كَانَ عَقْدُ بَعْضِهِمْ لِلْهُدْنَةِ مُوجِبًا لأَِمَانِ جَمِيعِهِمْ وَإِنْ
__________
(1) حَدِيث: " مُوَادَعَة الرَّسُول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَهُودٌ بَنَى النَّضِير " عَزَاهُ ابْنُ حَجَرٍ فِي الْفَتْحِ (7 / 331 - ط السَّلَفِيَّة) إِلَى ابْن إِسْحَاق فِي سِيرَتِهِ مِنْ حَدِيثِ يَزِيد بْن رُومَانَ مُرْسَلاً.
(2) حَدِيث: قِصَّة تَحْرِيض حَيّ بْن أَخْطُبُ بَنِي قُرَيْظَة أَوْرَدَهَا ابْن هِشَام فِي السِّيرَةِ (3 / 172 - 173 ط دَار الْكِتَابِ الْعَرَبِيِّ.
(3) حَدِيث: قِصَّة مُهَادَنَة الرَّسُول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قُرَيْشًا مَعَهُمْ بَنُو خُزَاعَة وَبَنُو بَكْر. ذَكَرَهَا ابْن هِشَام فِي السِّيرَةِ (3 / 264 - ط دَار الْكِتَابِ الْعَرَبِيِّ)
الصفحة 229