كتاب الموسوعة الفقهية الكويتية (اسم الجزء: 42)
لَمْ يَلْزَمْهُ شَيْءٌ؛ لأَِنَّهُ لَمْ يَجِبْ فِي الذِّمَّةِ إِنَّمَا تَعَلَّقَ الْحَقُّ بِالْعَيْنِ فَسَقَطَ بِتَلَفِهَا كَالْوَدِيعَةِ.
وَقَدْ وَرَدَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَال: " مَنْ أَهْدَى بَدَنَةً ثُمَّ ضَلَّتْ أَوْ مَاتَتْ فَإِنَّهَا إِنْ كَانَتْ نَذْرًا أَبْدَلَهَا، وَإِنْ كَانَتْ تَطَوُّعًا فَإِنْ شَاءَ أَبْدَلَهَا وَإِنْ شَاءَ أَكَل وَتَرَكَهَا " (1) .
وَأَمَّا إِنْ أَتْلَفَهُ أَوْ تَلِفَ بِتَفْرِيطِهِ فَعَلَيْهِ ضَمَانُهُ لأَِنَّهُ أَتْلَفَ وَاجِبًا لِغَيْرِهِ فَضَمِنَهُ كَالْوَدِيعَةِ.
وَإِنْ خَافَ عَطَبَهُ أَوْ عَجَزَ عَنِ الْمَشْيِ وَصُحْبَةِ الرِّفَاقِ نَحَرَهُ فِي مَوْضِعِهِ، وَخَلَّى بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْمَسَاكِينِ، وَلَمْ يُبَحْ لَهُ أَكْل شَيْءٍ مِنْهُ وَلاَ لأَِحَدٍ مِنْ صَحَابَتِهِ وَإِنْ كَانُوا فُقَرَاءَ (2) .
وَقْتُ ذَبْحِ الْهَدْيِ:
الْهَدْيُ إِمَّا أَنْ يَكُونَ هَدْيَ تَطَوُّعٍ، أَوْ يَكُونَ هَدْيَ تَمَتُّعٍ أَوْ قِرَانٍ، أَوْ هَدْيًا لِجَبْرِ نُقْصَانٍ، أَوْ هَدْيَ نَذْرٍ، وَبَيَانُ ذَلِكَ فِيمَا يَلِي:
34 - أَمَّا هَدْيُ التَّطَوُّعِ فَقَدِ اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي وَقْتِ ذَبْحِهِ، فَالْحَنَفِيَّةُ قَالُوا: يَجُوزُ ذَبْحُ دَمِ التَّطَوُّعِ قَبْل يَوْمِ النَّحْرِ، لأَِنَّ الْقُرْبَةَ فِي التَّطَوُّعَاتِ بِاعْتِبَارِ أَنَّهَا هَدَايَا، وَذَلِكَ يَتَحَقَّقُ
__________
(1) أَثَر ابْن عُمَر: " مَنْ أَهْدَى بَدَنَة ثُمَّ ضَلَّتْ. . . " أَخْرَجَهُ مَالِك فِي الْمُوَطَّأِ (1 / 381 - ط الْحَلَبِيّ) .
(2) الْمُغْنِي 3 / 537.
بِتَبْلِيغِهَا إِلَى الْحَرَمِ، وَذَبْحُهُ أَيَّامَ النَّحْرِ أَفْضَل لأَِنَّ مَعْنَى الْقُرْبَةِ فِيهِ أَظْهَرُ، وَهُوَ وَجْهٌ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ.
وَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ إِلَى أَنَّ وَقْتَ ذَبْحِ هَدْيِ التَّطَوُّعِ هُوَ أَيَّامُ النَّحْرِ الثَّلاَثَةُ، وَعِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ عَلَى الصَّحِيحِ يَوْمُ النَّحْرِ وَأَيَّامُ التَّشْرِيقِ.
وَلاَ تُجْزِئُ لَيْلاً عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ وَتُجْزِئُ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ مَعَ الْكَرَاهَةِ.
35 - وَاخْتَلَفُوا أَيْضًا فِي وَقْتِ ذَبْحِ هَدْيِ الْمُتْعَةِ وَالْقِرَانِ، فَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ إِلَى أَنَّهُ يَخْتَصُّ بِأَيَّامِ النَّحْرِ الثَّلاَثَةِ، وَاسْتَدَلُّوا بِقَوْل اللَّهِ تَعَالَى: {فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ (1) } .
وَجْهُ الاِسْتِدْلاَل بِالآْيَةِ: أَنَّ قَضَاءَ التَّفَثِ (أَيْ إِزَالَةَ الْوَسِخِ) ، وَالطَّوَافُ يَخْتَصُّ بِأَيَّامِ النَّحْرِ، فَكَذَا الذَّبْحُ، لِيَكُونَ مَسْرُودًا عَلَى نَسَقٍ وَاحِدٍ؛ لأَِنَّهُ دَمُ نُسُكٍ فَيَخْتَصُّ بِيَوْمِ النَّحْرِ كَالأُْضْحِيَةِ؛ وَلَوْ ذَبَحَ بَعْدَهُ فَإِنَّهُ يَكُونُ تَارِكًا لِلْوَاجِبِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ فَيَلْزَمُهُ دَمٌ.
__________
(1) سُورَةُ الْحَجِّ / 29 - 30.
الصفحة 249