كتاب الموسوعة الفقهية الكويتية (اسم الجزء: 43)

{لَيْسَ عَلَى الأَْعْمَى حَرَجٌ وَلاَ عَلَى الأَْعْرَجِ حَرَجٌ وَلاَ عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ وَلاَ عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَنْ تَأْكُلُوا مِنْ بُيُوتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ آبَائِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أُمَّهَاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ إِخْوَانِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَخَوَاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَعْمَامِكُمْ أَوْ بُيُوتِ عَمَّاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَخْوَالِكُمْ أَوْ بُيُوتِ خَالاَتِكُمْ أَوْ مَا مَلَكْتُمْ مَفَاتِحَهُ أَوْ صَدِيقِكُمْ (1) } .

ب ـ التَّوَرُّعُ عِنْدَ الشَّكِّ فِي وُجُودِ السَّبَبِ الْمُحَرِّمِ:
8 ـ مِنْ أَمْثِلَةِ التَّوَرُّعِ عِنْدَ الشَّكِّ فِي وُجُودِ السَّبَبِ الْمُحَرِّمِ حَدِيثُ عُقْبَةَ بْنِ الْحَارِثِ، وَفِيهِ: " أَنَّهُ تَزَوَّجَ أُمَّ يَحْيَى بِنْتَ أَبِي إِهَابٍ، قَال: فَجَاءَتِ امْرَأَةٌ سَوْدَاءُ فَقَالَتْ: قَدْ أَرْضَعْتُكُمَا، قَال: فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ ـ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ فَأَعْرَضَ عَنِّي، قَال: فَتَنَحَّيْتُ، فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لَهُ، قَال: وَكَيْفَ وَقَدْ زَعَمَتْ أَنَّهَا قَدْ أَرْضَعَتْكُمَا؟ فَنَهَاهُ عَنْهَا (2) . حَمَل الْحَنَابِلَةُ النَّهْيَ فِي الْحَدِيثِ عَلَى التَّحْرِيمِ.
وَذَهَبَ الْجُمْهُورُ إِلَى أَنَّ التَّحْرِيمَ لاَ يَثْبُتُ بِقَوْل الْمَرْأَةِ الْوَاحِدَةِ. قَال الْخَطَّابِيُّ: وَقَوْلُهُ:
__________
(1) سورة النور / 61.
(2) حديث: عقبة بن الحارث: " أنه تزوج أم يحيى. . " أخرجه البخاري (فتح الباري 5 / 267 ط السلفية)
" دَعْهَا عَنْكَ " (1) إِشَارَةٌ مِنَ النَّبِيِّ ـ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ بِالْكَفِّ عَنْهَا عَنْ طَرِيقِ الْوَرَعِ، لاَ مِنْ طَرِيقِ الْحُكْمِ، وَلَيْسَ فِي هَذَا دَلاَلَةٌ عَلَى وُجُوبِ قَبُول قَوْل الْمَرْأَةِ الْوَاحِدَةِ فِي هَذَا (2) .
وَكَذَا قَال ابْنُ الْهُمَامِ: الْحَدِيثُ كَانَ لِلتَّوَرُّعِ، لأَِنَّهُ أَعْرَضَ عَنْهُ، وَلَوْ كَانَ حُكْمُ الإِْخْبَارِ وُجُوبَ التَّفْرِيقِ لأََجَابَهُ مِنْ أَوَّل الأَْمْرِ، إِذِ الإِْعْرَاضُ قَدْ يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ تَرْكُ السَّائِل الْمَسْأَلَةَ بَعْدَ ذَلِكَ، فَيَكُونُ تَقْرِيرًا عَلَى الْمُحَرَّمِ (3) .
وَرَوَى أَبُو عُبَيْدٍ الْقَاسِمُ بْنُ سَلاَّمٍ أَنَّ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَال فِي مِثْل هَذِهِ الْوَاقِعَةِ: " فَرِّقْ بَيْنَهُمَا إِنْ جَاءَتْ بَيِّنَةٌ، وَإِلاَّ فَخَل بَيْنَ الرَّجُل وَبَيْنَ امْرَأَتِهِ، إِلاَّ أَنْ يَتَنَزَّهَا، وَلَوْ فُتِحَ هَذَا الْبَابُ لَمْ تَشَأِ امْرَأَةٌ أَنْ تُفَرِّقَ بَيْنَ الزَّوْجَيْنِ إِلاَّ فَعَلَتْ (4) " فَقَوْلُهُ: " إِلاَّ أَنْ يَتَنَزَّهَا " هُوَ مَعْنَى التَّوَرُّعِ.
وَتُنْظَرُ الأَْحْكَامُ الْمُتَعَلِّقَةُ بِالشَّكِّ سَوَاءٌ طَرَأَ الشَّكُّ عَلَى أَصْلٍ حَرَامٍ، أَمْ عَلَى أَصْلٍ مُبَاحٍ، وَسَوَاءٌ كَانَ الشَّكُّ مُجْمَعًا عَلَى اعْتِبَارِهِ، أَمْ مُجْمَعًا عَلَى إِلْغَائِهِ، أَمْ مُخْتَلَفًا فِي اعْتِبَارِهِ وَإِلْغَائِهِ، وَسَوَاءٌ أَكَانَ الشَّكُّ فِي الرُّكْنِ أَمْ فِي
__________
(1) رواية: " دعها عنك " أخرجها البخاري (الفتح 9 / 152 ط السلفية) .
(2) معالم السنن للخطابي 4 / 27.
(3) فتح القدير لابن الهمام 3 / 462.
(4) فتح الباري 5 / 269.

الصفحة 108