كتاب الموسوعة الفقهية الكويتية (اسم الجزء: 43)
الدَّوْلَةِ وَحْدَهُ، فَيَسْتَعِينُ بِالْوُزَرَاءِ، كَذَلِكَ وَزِيرُ التَّفْوِيضِ يَعْجِزُ عَنْ تَحَمُّل الْعِبْءِ الْكَبِيرِ فِي إِدَارَةِ الدَّوْلَةِ وَالْقِيَامِ بِمَصَالِحِ الأُْمَّةِ وَأَمْرِ الْمِلَّةِ، لِذَلِكَ كَانَ مِنْ وَاجِبِهِ اخْتِيَارُ الْمُعَاوِنِينَ الأَْكْفَاءِ الصَّالِحِينَ، وَالْمُسَاعِدِينَ الأَْقْوِيَاءِ، مِنْ وُزَرَاءِ التَّنْفِيذِ، وَأُمَرَاءِ الأَْجْنَادِ، وَقِيَادَةِ الْعَسْكَرِ، وَوُلاَةِ الأَْمْوَال، وَالْكُتَّابِ، وَالسُّعَاةِ عَلَى الْخَرَاجِ وَالصَّدَقَاتِ، مِمَّنْ يَثِقُ بِدِينِهِمْ وَصَلاَحِهِمْ وَخِبْرَتِهِمْ وَمَقْدِرَتِهِمْ عَلَى تَوَلِّي الْمَنَاصِبِ الْقِيَادِيَّةِ، وَالأَْعْمَال الْجَسِيمَةِ الَّتِي تُوَكَّل إِلَيْهِمْ، فَيُنِيبُهُمْ عَنْهُ، وَيَسْتَعْمِلُهُمْ فِي الأَْعْمَال (1) .
14 - وَيَجِبُ أَنْ يَتَوَفَّرَ فِي الْمُعَاوِنِينَ وَالْمُسَاعِدِينَ الصِّفَاتُ الشَّرْعِيَّةُ الَّتِي يَجِبُ مُرَاعَاتُهَا فِي اخْتِيَارِ الأَْشْخَاصِ الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَ مَقَالِيدَ الأُْمَّةِ، مَعَ الْبَحْثِ عَنْ أَحْسَنِ وَأَفْضَل شَخْصٍ تَتَوَفَّرُ فِيهِ الشُّرُوطُ اللاَّزِمَةُ، وَتَتَحَقَّقُ فِيهِ الْعَدَالَةُ، وَتُصَانُ بِهِ الْمَصْلَحَةُ، قَال تَعَالَى: {إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الأَْمِينُ (2) } ، فَهَذِهِ الآْيَةُ تَتَضَمَّنُ اشْتِرَاطَ الأَْمَانَةِ وَالْقُوَّةِ أَيِ الْقُدْرَةِ عَلَى الْقِيَامِ بِالْعَمَل الَّذِي يُسْنَدُ إِلَيْهِ مِنْ أَعْمَال الدَّوْلَةِ (3) ، قَال ابْنُ تَيْمِيَّةَ: وَالْقُوَّةُ فِي الْحُكْمِ بَيْنَ النَّاسِ تَرْجِعُ إِلَى الْعِلْمِ بِالْعَدْل الَّذِي دَل عَلَيْهِ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ، وَإِلَى الْقُدْرَةِ عَلَى
__________
(1) غياث الأمم ص214.
(2) سورة القصص: 26.
(3) السياسة الشرعية لابن تيمية ص16.
تَنْفِيذِ الأَْحْكَامِ، وَالأَْمَانَةُ تَرْجِعُ إِلَى خَشْيَةِ اللَّهِ تَعَالَى، وَأَلاَّ يَشْتَرِيَ بِآيَاتِهِ ثَمَنًا قَلِيلاً، وَتَرْكِ خَشْيَةِ النَّاسِ (1) .
وَأَرْشَدَ رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْحُكَّامَ إِلَى الْمَبَادِئِ الَّتِي تُرَاعَى فِي تَوْلِيَةِ الْوُلاَةِ وَالْعُمَّال، فَقَال رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: مَنِ اسْتَعْمَل رَجُلاً مِنْ عِصَابَةٍ، وَفِيهِمْ مَنْ هُوَ أَرْضَى لِلَّهِ مِنْهُ فَقَدْ خَانَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ، وَخَانَ الْمُؤْمِنِينَ (2) .
15 - وَيَجِبُ عَلَى وَزِيرِ التَّفْوِيضِ أَنْ يَتَفَقَّدَ أَعْمَال الْمُعَاوِنِينَ وَالْمُسَاعِدِينَ، وَأَنْ يَتَصَفَّحَ أَحْوَالَهُمْ لِيَنْهَضَ الْجَمِيعُ بِسِيَاسَةِ الأُْمَّةِ، وَحِرَاسَةِ الْمِلَّةِ، وَلاَ يَتَخَلَّى عَنْ ذَلِكَ بِأَعْمَالِهِ الْخَاصَّةِ، وَلاَ حَتَّى بِالْعِبَادَةِ، فَقَدْ يَخُونُ الأَْمِينُ، وَيَغُشُّ النَّاصِحُ، وَهَذَا مَفْرُوضٌ عَلَيْهِ بِحُكْمِ الدِّينِ، وَمَنْصِبِ الْوِزَارَةِ، وَهُوَ مِنْ حُقُوقِ السِّيَاسَةِ الَّتِي اسْتَرْعَاهَا (3) .
وَقَال رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: كُلُّكُمْ رَاعٍ وَكُلُّكُمْ مَسْؤُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ (4) .
__________
(1) السياسة الشرعية لابن تيمية ص17.
(2) حديث: " من استعمل رجلا من عصابة. . ". أخرجه الحاكم (4 / 92 ط الكتاب العربي) ، وأعله المنذري في الترغيب (3 / 118 ط دار ابن كثير) بضعف أحد رواته.
(3) الأحكام السلطانية للماوردي ص16.
(4) حديث: " كلكم راع، وكلكم مسئول. . " أخرجه البخاري (فتح الباري 5 / 178) .
الصفحة 131