كتاب الموسوعة الفقهية الكويتية (اسم الجزء: 43)
عَنْفَقَةٍ أَوْ هُدْبٍ تَظْهَرُ الْبَشَرَةُ تَحْتَهُ فِي مَجْلِسِ الْمُخَاطَبَةِ، وَالتَّخْلِيل: إِيصَال الْمَاءِ إِلَى الْبَشَرَةِ أَيِ الْجِلْدَةِ النَّابِتِ فِيهَا الشَّعْرُ. . وَهَذَا فِي الشَّعْرِ الْخَفِيفِ، أَمَّا الْكَثِيفُ فَلاَ يُخَلِّلُهُ، بَل يُكْرَهُ؛ لِمَا فِيهِ مِنَ التَّعَمُّقِ، وَيَكْفِي إِمْرَارُ الْمَاءِ عَلَى ظَاهِرِ الشَّعْرِ دُونَ إِيصَال الْمَاءِ إِلَى الْبَشَرَةِ.
قَال الدَّرْدِيرُ: وَلاَ يُنَافِي أَنَّهُ يَجِبُ تَحْرِيكُهُ لِيَدْخُل الْمَاءُ بَيْنَ ظَاهِرِهِ وَإِنْ لَمْ يَصِل إِلَى الْبَشَرَةِ. قَال الدُّسُوقِيُّ: وَهُوَ الرَّاجِحُ، خِلاَفًا لِمَنْ قَال بِنَدْبِهِ، وَلِمَنْ قَال بِوُجُوبِ تَخْلِيلِهِ، وَقَال: وَالْمَرْأَةُ كَالرَّجُل فِي وُجُوبِ تَخْلِيل الْخَفِيفِ، وَفِي الأَْقْوَال الثَّلاَثَةِ فِي الْكَثِيفِ. (1)
وَقَال الشَّافِعِيَّةُ: شُعُورُ الْهُدْبِ وَالْحَاجِبِ وَالشَّارِبِ وَالْعِذَارِ وَالْعَنْفَقَةِ تُغْسَل شَعْرًا وَبَشَرًا ظَاهِرًا وَبَاطِنًا وَإِنْ كَثُفَتْ؛ لأَِنَّ كَثَافَتَهَا نَادِرَةٌ، وَقِيل: لاَ يَجِبُ غَسْل بَاطِنِ عَنْفَقَةٍ كَثِيفَةٍ وَلاَ بَشَرَتِهَا كَاللِّحْيَةِ، وَفِي ثَالِثٍ: يَجِبُ إِنْ لَمْ تَتَّصِل بِاللِّحْيَةِ.
وَقَالُوا: لِحْيَةُ الْمَرْأَةِ كَهَذِهِ الشُّعُورِ تُغْسَل ظَاهِرًا وَبَاطِنًا لِنُدْرَةِ كَثَافَتِهَا؛ وَلأَِنَّهُ يُسَنُّ لَهَا إِزَالَتُهَا؛ لأَِنَّهَا مُثْلَةٌ فِي حَقِّهَا، وَمِثْلُهَا الْخُنْثَى فِي
__________
(1) الشَّرْح الْكَبِير وَحَاشِيَة الدُّسُوقِيّ 1 / 86، والشرح الصَّغِير وَحَاشِيَة الصَّاوِي 1 / 106، 107.
غَسْل مَا ذُكِرَ إِنْ لَمْ يُجْعَل ذَلِكَ عَلاَمَةً عَلَى ذُكُورَتِهِ، وَهُوَ الْمُعْتَمَدُ.
وَلِحْيَةُ الرَّجُل إِنْ خَفَّتْ - بِحَيْثُ تُرَى بَشَرَةُ الْوَجْهِ تَحْتَ الشَّعْرِ - يَجِبُ غَسْل ظَاهِرِهَا وَبَاطِنِهَا، وَإِنْ كَثُفَتْ فَيُغْسَل ظَاهِرُهَا وَلاَ يَجِبُ غَسْل بَاطِنِهَا؛ لِعُسْرِ إِيصَال الْمَاءِ إِلَيْهِ مَعَ الْكَثَافَةِ غَيْرِ النَّادِرَةِ، لِمَا رُوِيَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَوَضَّأَ فَغَرَفَ غَرْفَةً غَسَل بِهَا وَجْهَهُ " (1) ، وَكَانَتْ لِحْيَتُهُ الْكَرِيمَةُ كَثِيفَةً، وَبِالْغَرْفَةِ الْوَاحِدَةِ لاَ يَصِل الْمَاءُ إِلَى ذَلِكَ غَالِبًا. . وَيُسَنُّ تَخْلِيلُهَا.
فَإِنْ خَفَّ بَعْضُ لِحْيَةِ الرَّجُل وَكَثُفَ بَعْضُهَا وَتَمَيَّزَ فَلِكُلٍّ حُكْمُهُ، وَإِنْ لَمْ يَتَمَيَّزْ بِأَنْ كَانَ الْكَثِيفُ مُتَفَرِّقًا بَيْنَ أَثْنَاءِ الْخَفِيفِ وَجَبَ غَسْل الْكُل؛ لأَِنَّ إِفْرَادَ الْكَثِيفِ بِالْغَسْل يَشُقُّ، وَإِمْرَارَ الْمَاءِ عَلَى الْخَفِيفِ لاَ يُجْزِئُ. . وَهَذَا هُوَ الْمُعْتَمَدُ. (2)
وَفِي رَأْيٍ يَجِبُ غَسْل الْبَشَرَةِ، حَكَاهُ الرَّافِعِيُّ قَوْلاً وَوَجْهًا عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ، وَهُوَ مَذْهَبُ الْمُزَنِيِّ وَأَبِي ثَوْرٍ، وَإِسْحَاقَ بْنِ رَاهْوَيْهِ، وَاحْتَجَّ لَهُمْ بِحَدِيثِ أَنَسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُول اللَّهِ
__________
(1) حَدِيث: " أَنَّ النَّبِيَّ تَوَضَّأَ فَغَرَفَ غَرْفَة غَسَل بِهَا وَجْهَهُ أُخَرِّجُهُ البخاري (الْفَتْح 1 / 240) .
(2) مُغْنِي الْمُحْتَاج 1 / 51، 60.
الصفحة 335