كتاب الموسوعة الفقهية الكويتية (اسم الجزء: 43)
وَعَدَّ الْحَنَابِلَةُ مِنَ التَّضْيِيعِ: مَا لَوْ سَلَّمَهَا الْوَدِيعُ بِطَرِيقِ الْخَطَأِ إِلَى مَنْ يَظُنُّهُ صَاحِبُهَا فَتَبَيَّنَ خَطَؤُهُ، فَإِنَّهُ يَضْمَنُهَا، لأَِنَّهُ فَوَّتَهَا عَلَى رَبِّهَا (1) .
وَاتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّ مِنَ التَّضْيِيعِ الْمُوجِبِ لِلضَّمَانِ مَا لَوْ دَل الْوَدِيعُ لِصًّا عَلَى مَكَانِ الْوَدِيعَةِ، فَسَرَقَهَا، وَذَلِكَ لإِِتْيَانِهِ بِنَقِيضِ مَا الْتَزَمَهُ مِنَ الْحِفْظِ (2) .
غَيْرَ أَنَّهُ جَاءَ فِي شَرْحِ الْمُنْتَهَى مِنْ كُتُبِ الْحَنَابِلَةِ أَنَّ ضَمَانَهَا فِي هَذِهِ الْحَالَةِ عَلَى الْوَدِيعِ وَاللِّصِّ، أَمَّا الْوَدِيعُ، فَلِمُنَافَاةِ دَلاَلَتِهِ لِلْحِفْظِ الْمَأْمُورِ بِهِ، أَشْبَهَ مَا لَوْ دَفَعَهُمَا لِغَيْرِهِ. وَأَمَّا اللِّصُّ، فَلأَِنَّهُ هُوَ الْمُتْلِفُ لَهَا. وَعَلَى اللِّصِّ قَرَارُ الضَّمَانِ لِمُبَاشَرَتِهِ (3) .
وَهُنَاكَ صُورَتَانِ لِتَضْيِيعِ الْوَدِيعَةِ، اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي تَضْمِينِ الْوَدِيعِ بِهَا:
__________
(1) كَشَّاف الْقِنَاع 4 / 201، وَشَرْح مُنْتَهَى الإِْرَادَاتِ 2 / 458.
(2) الْبَحْر الرَّائِق 7 / 275، وَالْفَتَاوَى الْهِنْدِيَّة 4 / 346، وَرَدّ الْمُحْتَارِ 4 / 496، وَرَوْضَة الطَّالِبِينَ 6 / 342، وَتُحْفَة الْمُحْتَاج 7 / 120، وَحَاشِيَة الرَّمْلِيّ عَلَى أَسْنَى الْمَطَالِب 3 / 83، الزُّرْقَانِيّ عَلَى خَلِيلٍ مَعَ الْبُنَانِيّ 6 / 120، وَالْقَوَانِينِ الْفِقْهِيَّةِ ص 379، وَكَشَّاف الْقِنَاع 4 / 187.
(3) شَرْح مُنْتَهَى الإِْرَادَاتِ لِلْبَهُوتِي 2 / 452.
الصُّورَةُ الأُْولَى:
إِذَا أُكْرِهَ الْوَدِيعُ عَلَى تَسْلِيمِ الْوَدِيعَةِ لِغَاصِبٍ أَوْ ظَالِمٍ، فَدَفَعَهَا إِلَيْهِ، فَقَدِ اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي تَضْمِينِهِ عَلَى قَوْلَيْنِ:
الأَْوَّل: لِلْحَنَفِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ وَالشَّافِعِيَّةِ فِي غَيْرِ الأَْصَحِّ: وَهُوَ أَنَّهُ لاَ ضَمَانَ عَلَى الْوَدِيعِ لأَِنَّ الإِْكْرَاهَ عُذْرٌ يُبِيحُ دَفْعَهَا لِمَنْ أَكْرَهَهُ، فَكَانَ كَمَا لَوْ أُخِذَتْ مِنْ يَدِهِ بِغَيْرِ فِعْلٍ مِنْ جِهَتِهِ (1) .
الثَّانِي: لِلشَّافِعِيَّةِ فِي الأَْصَحِّ، وَهُوَ أَنَّ دَفْعَهَا إِلَيْهِ تَضْيِيعٌ مُوجِبٌ لِضَمَانِهِ.
ثُمَّ إِنَّ الْمَالِكَ بِالْخِيَارِ: إِنْ شَاءَ ضَمِنَ الْوَدِيعَ، لِمُبَاشَرَتِهِ التَّسْلِيمَ ـ وَلَوْ مُضْطَرًّا، إِذْ لاَ يُؤَثِّرُ ذَلِكَ عَلَى ضَمَانِ الْمُبَاشِرِ ـ لأَِنَّهُ فَوَّتَ الْوَدِيعَةَ عَلَى صَاحِبِهَا، لِدَفْعِ الضَّرَرِ عَنْ نَفْسِهِ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ أَنْفَقَهَا عَلَى نَفْسِهِ لِخَوْفِ التَّلَفِ مِنَ الْجُوعِ، ثُمَّ يَرْجِعُ الْوَدِيعُ عَلَى الْمُكْرَهِ بَعْدَ ذَلِكَ بِمَا غَرِمَ، وَإِنْ شَاءَ ضَمِنَ الظَّالِمُ الْمُكْرَهَ (2) .
الصُّورَةُ الثَّانِيَةُ: نِسْيَانُ الْوَدِيعَةِ، كَمَا إِذَا قَعَدَ
__________
(1) رَدّ الْمُحْتَارِ 4 / 501، وَالدَّرّ الْمُنْتَقَى 2 / 345، وقليوبي عَمِيرَة 3 / 185، وَالْمُهَذَّب 1 / 369، وَكَشَّاف الْقِنَاع 4 / 200، وَالْمُغْنِي 9 / 280، وَشَرْح مُنْتَهَى الإِْرَادَاتِ 2 / 458.
(2) رَوْضَة الطَّالِبِينَ 6 / 342، وَتُحْفَة الْمُحْتَاج 7 / 121، وَأَسْنَى الْمَطَالِب 3 / 83، والقليوبي عَلَى شَرْحِ الْمِنْهَاجِ 3 / 185.
الصفحة 68