كتاب الموسوعة الفقهية الكويتية (اسم الجزء: 43)

الْوَدِيعُ فِي طَرِيقٍ، وَهِيَ مَعَهُ، ثُمَّ قَامَ فَنَسِيَهَا، أَوْ دَفَنَهَا بِحِرْزٍ ثُمَّ نَسِيَهُ، وَكَمَا لَوْ كَانَ مَعَهُ كِيسُ دَرَاهِمَ وَدِيعَةً، فَوَضَعَهُ فِي حِجْرِهِ، ثُمَّ قَامَ وَنَسِيَهُ، فَضَاعَ، وَنَحْوَ ذَلِكَ، وَقَدِ اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي تَضْمِينِهِ بِذَلِكَ عَلَى قَوْلَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: لِلْحَنَفِيَّةِ وَلِلشَّافِعِيَّةِ فِي الأَْصَحِّ وَابْنِ الْمَاجِشُونِ وَابْنِ حَبِيبٍ وَمُطَرِّفٍ مِنَ الْمَالِكِيَّةِ، وَهُوَ أَنَّهُ يَضْمَنُ الْوَدِيعَةَ، إِذَا ضَيَّعَهَا بِالنِّسْيَانِ. لأَِنَّ نِسْيَانَهُ جِنَايَةٌ عَلَى الْوَدِيعَةِ. وَبِذَلِكَ أَفْتَى الْقَاضِي أَبُو الْوَلِيدِ بْنُ رُشْدٍ وَابْنُ الْحَاجِّ مِنْ عُلَمَاءِ الْمَالِكِيَّةِ (1) .
وَالثَّانِي: لِلْبَاجِيِّ وَالْعَبْدُوسِيِّ مِنَ الْمَالِكِيَّةِ: وَهُوَ أَنَّهُ لاَ ضَمَانَ عَلَيْهِ بِذَلِكَ (2) ، قَال ابْنُ رُشْدٍ الْحَفِيدُ: اخْتُلِفَ فِي الْمَذْهَبِ فِي ضَمَانِهَا بِالنِّسْيَانِ، مِثْل أَنْ يَنْسَاهَا فِي مَوْضِعِ إِيدَاعِهَا، أَوْ يَنْسَى مَنْ دَفَعَهَا إِلَيْهِ، وَيَدَّعِيَهَا رَجُلاَنِ.
__________
(1) الْفَتَاوَى الْهِنْدِيَّة 4 / 342، 343، وَمَجْمَع الأَْنْهُر 2 / 345، وَالإِْشْرَاف لاِبْن الْمُنْذِر 1 / 259، والزرقاني عَلَى خَلِيل 6 / 117، وَمَوَاهِب الْجَلِيل وَالتَّاج وَالإِْكْلِيل 5 / 256، وَرَوْضَة الطَّالِبِينَ 6 / 342، وَتُحْفَة الْمُحْتَاج 7 / 119، والقليوبي وَعَمِيرَة 3 / 185، وَالْمُقْدِمَات الْمُمَهِّدَات 2 / 466.
(2) الزُّرْقَانِيّ عَلَى خَلِيل 6 / 117، وَمَوَاهِب الْجَلِيل 5 / 256، 257، وَالْمُقْدِمَات الْمُمَهِّدَات 2 / 466 وَالتَّاج وَالإِْكْلِيل 5 / 256.
فَقِيل: يَحْلِفَانِ، وَتُقَسَّمُ بَيْنَهُمَا، وَلاَ ضَمَانَ عَلَيْهِ، وَقِيل: إِنَّهُ يَضْمَنُ لِكُل وَاحِدٍ مِنْهُمَا (1) .

(ل) ـ تَرْكُ تَعَهُّدِ الْوَدِيعَةِ:
62 - نَصَّ الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ عَلَى أَنَّ مَنِ اسْتَوْدَعَ دَابَّةً، فَلَمْ يَأْمُرْهُ صَاحِبُهَا بِسَقْيِهَا وَلاَ عَلْفِهَا وَلَمْ يَنْهَهُ، فَتَرَكَهَا دُونَ ذَلِكَ حَتَّى مَاتَتْ، فَإِنَّهُ يَضْمَنُهَا. (2)
قَال الْبُهُوتِيُّ: لأَِنَّ عَلْفَهَا وَسَقْيَهَا مِنْ كَمَال الْحِفْظِ الَّذِي الْتَزَمَهُ بِالاِسْتِيدَاعِ، بَل هُوَ الْحِفْظُ بِعَيْنِهِ، إِذِ الْحَيَوَانُ لاَ يَبْقَى عَادَةً بِدُونِهِمَا، فَيَلْزَمَانِهِ (3) . وَقَال الْقَاضِي عَبْدُ الْوَهَّابِ الْبَغْدَادِيُّ: وَدَلِيلُنَا أَنَّ الْمُودِعَ مَأْمُورٌ بِحِفْظِ الْوَدِيعَةِ، وَذَلِكَ يَتَضَمَّنُ حِرَاسَتَهَا فِيمَا يَعْلِفُهَا، فَكَانَ ذَلِكَ عَلَيْهِ، كَمَا أَنَّهُ لَوْ رَآهَا فِي بِئْرٍ لَلَزِمَهُ رَدُّهَا عَنْ ذَلِكَ الْمَوْضِعِ، وَفِي تَرْكِ عَلْفِهَا تَلَفُهَا، فَكَانَ مَمْنُوعًا مِنْهُ (4) .
وَهَذَا هُوَ مُقْتَضَى مَذْهَبِ الْحَنَفِيَّةِ أَيْضًا، لِمَا جَاءَ فِي قُرَّةِ عُيُونِ الأَْخْيَارِ نَقْلاً عَنِ الْحَاوِي
__________
(1) بِدَايَة الْمُجْتَهِدِ 2 / 312.
(2) الأُْمّ 4 / 60، وَتُحْفَة الْمُحْتَاج 7 / 113، وَأَسْنَى الْمَطَالِب 3 / 78، وَالإِْشْرَاف لِلْقَاضِي عَبْد الْوَهَّاب 2 / 42، وَشَرْح مُنْتَهَى الإِْرَادَاتِ 2 / 451، وَكَشَّاف الْقِنَاع 4 / 189.
(3) شَرْح مُنْتَهَى الإِْرَادَاتِ 2 / 451.
(4) الإِْشْرَاف عَلَى مَسَائِل الْخِلاَفِ 2 / 42.

الصفحة 69