كتاب الموسوعة الفقهية الكويتية (اسم الجزء: 43)

يَضْمَنْهَا، سَوَاءٌ نَقَلَهَا إِلَى مِثْل الأَْوَّل أَوْ دُونَهُ، لأَِنَّ رَبَّهَا رَدَّ حِفْظَهَا إِلَى رَأْيِهِ وَاجْتِهَادِهِ، وَأُذِنَ لَهُ فِي إِحْرَازِهَا بِمَا شَاءَ مِنْ إِحْرَازِ مِثْلِهَا، وَلَمْ يَقَعْ مِنْهُ تَفْرِيطٌ (1) .
وَمُقْتَضَى مَذْهَبِ الْحَنَفِيَّةِ أَنَّهُ لاَ ضَمَانَ عَلَيْهِ، إِذِ الأَْصْل عِنْدَهُمْ أَنَّ الأَْمْرَ بِحِفْظِ الْوَدِيعَةِ إِذَا صَدَرَ مِنْ صَاحِبِهَا مُطْلَقًا عَنْ تَعْيِينِ الْمَكَانِ، فَلاَ يَجُوزُ تَقْيِيدُ الْمُطْلَقِ مِنْ غَيْرِ دَلِيلٍ (2) .

(ن) ـ تَجْهِيل الْوَدِيعَةِ:
64 - لاَ خِلاَفَ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ فِي أَنَّ الْوَدِيعَ إِذَا مَاتَ، وَوُجِدَتِ الْوَدِيعَةُ قَائِمَةً بِعَيْنِهَا فِي تَرِكَتِهِ، فَهِيَ أَمَانَةٌ فِي يَدِ الْوَارِثِ، وَيَجِبُ عَلَيْهِ رَدُّهَا لِمَالِكِهَا، لأَِنَّهَا عَيْنُ مَالِهِ، وَمَنْ وَجَدَ عَيْنَ مَالِهِ فَهُوَ أَحَقُّ بِهَا (3) .
أَمَّا إِذَا مَاتَ الْوَدِيعُ مُجَهِّلاً حَال الْوَدِيعَةِ، وَلَمْ تُوجَدْ فِي تَرِكَتِهِ، وَلَمْ تُعَرِّفْهَا الْوَرَثَةُ، فَإِنَّهُ يَضْمَنُهَا بِالتَّجْهِيل عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ، لأَِنَّهُ مَنْعٌ لِلْوَدِيعَةِ عَنْ رَبِّهَا ظُلْمًا. وَعَلَى ذَلِكَ تَصِيرُ دَيْنًا وَاجِبَ الأَْدَاءِ مِنْ تَرِكَتِهِ كَبَاقِي الدُّيُونِ،
__________
(1) الْمُغْنِي 9 / 265، وَكَشَّاف الْقِنَاع 4 / 187، وَالْمُبْدِع 5 / 234.
(2) بَدَائِع الصَّنَائِع 6 / 209.
(3) الإِْشْرَاف لاِبْن الْمُنْذِر 1 / 255، وَالْمَادَّة (801) مِنَ الْمَجَلَّةِ الْعَدْلِيَّة.
وَيُشَارِكُ الْمُودِعُ سَائِرَ غُرَمَاءِ الْوَدِيعِ فِيهَا (1) .
وَقَدْ عَلَّل الْحَنَابِلَةُ تَضْمِينَهُ بِأَنَّ الْوَدِيعَةَ يَجِبُ رَدُّهَا لِصَاحِبِهَا، إِلاَّ أَنْ يَثْبُتَ سُقُوطُ الرَّدِّ بِالتَّلَفِ مِنْ غَيْرِ تَعَدِّي الْوَدِيعِ أَوْ تَفْرِيطِهِ، وَلَمْ يَثْبُتْ ذَلِكَ، فَيَبْقَى عَلَيْهِ الرَّدُّ، إِذْ لَمْ يُوجَدْ مَا يُزِيلُهُ.
وَعَلَّل الْكَاسَانِيُّ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ ذَلِكَ بِأَنَّهُ لَمَّا مَاتَ مُجَهِّلاً لِلْوَدِيعَةِ، فَقَدْ أَتْلَفَهَا مَعْنًى، لِخُرُوجِهَا مِنْ أَنْ تَكُونَ مُنْتَفَعًا بِهَا فِي حَقِّ الْمَالِكِ بِالتَّجْهِيل، وَهُوَ تَفْسِيرُ الإِْتْلاَفِ (2) .
وَقَال السَّرَخْسِيُّ: أَصْل الْمَسْأَلَةِ أَنَّ الأَْمِينَ إِذَا مَاتَ مُجَهِّلاً لِلأَْمَانَةِ، فَالأَْمَانَةُ تَصِيرُ دَيْنًا فِي تَرِكَتِهِ عِنْدَنَا، لأَِنَّهُ بِالتَّجْهِيل صَارَ مُتَمَلِّكًا لَهَا، فَإِنَّ الْيَدَ الْمَجْهُولَةَ عِنْدَ الْمَوْتِ تَنْقَلِبُ يَدَ مِلْكٍ، وَلِهَذَا لَوْ شَهِدَ الشُّهُودُ بِهَا، كَانَ ذَلِكَ بِمَنْزِلَةِ الشَّهَادَةِ بِالْمِلْكِ، حَتَّى يَقْضِيَ الْقَاضِي لِلْوَارِثِ بِهَا، وَالْوَدِيعُ بِالتَّمَلُّكِ يَصِيرُ ضَامِنًا. وَلأَِنَّهُ بِالتَّجْهِيل يَصِيرُ مُسَلِّطًا غُرَمَاءَهُ وَوَرَثَتَهُ عَلَى أَخْذِهَا، وَالْوَدِيعُ بِمِثْل هَذَا التَّسْلِيطِ يَصِيرُ ضَامِنًا،كَمَا لَوْ دَل سَارِقًا عَلَى سَرِقَتِهَا، وَلأَِنَّهُ
__________
(1) الْبَحْر الرَّائِق 7 / 275، وَالْعُقُود الدُّرِّيَّة 2 / 72، وَرَدّ الْمُحْتَارِ 4 / 495، وَمَا بَعْدَهَا، وَشَرْح مُنْتَهَى الإِْرَادَاتِ 2 / 458، وَكَشَّاف الْقِنَاع 4 / 198، وَالْمُغْنِي 9 / 269، 270.
(2) بَدَائِع الصَّنَائِع 6 / 213.

الصفحة 72