كتاب الموسوعة الفقهية الكويتية (اسم الجزء: 44)
وَقَال لأَِبِي الدَّرْدَاءِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: " فَصُمْ وَأَفْطِرْ، وَصَل وَنَمْ، وَائْتِ أَهْلَكَ (1) .
39 - أَمَّا ضَابِطُ هَذَا الْحَقِّ، وَحُكْمُهُ التَّكْلِيفِيُّ، وَمَا يَجِبُ عَلَى الزَّوْجِ مِنْ جِمَاعِ أَهْلِهِ، فَقَدِ اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِيهِ عَلَى أَرْبَعَةِ أَقْوَالٍ:
أَحَدُهَا: لِلْحَنَفِيَّةِ وَقَوْلٌ لِبَعْضِ الشَّافِعِيَّةِ، وَهُوَ أَنَّ لِلزَّوْجَةِ مُطَالَبَةَ زَوْجِهَا بِالْوَطْءِ، لأَِنَّ حِلَّهُ لَهَا حَقُّهَا، كَمَا أَنَّ حِلَّهَا لَهُ حَقُّهُ. وَإِذَا طَالَبَتْهُ بِهِ فَإِنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ وَيُجْبَرُ عَلَيْهِ فِي الْحُكْمِ مَرَّةً وَاحِدَةً، وَالزِّيَادَةُ عَلَى ذَلِكَ تَجِبُ عَلَيْهِ دِيَانَةً فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ تَعَالَى مِنْ بَابِ حُسْنِ الْمُعَاشَرَةِ وَاسْتِدَامَةِ النِّكَاحِ، وَلاَ تَجِبُ عَلَيْهِ فِي الْحُكْمِ عِنْدَ بَعْضِ الْحَنَفِيَّةِ، وَعِنْدَ بَعْضِهِمْ يَجِبُ عَلَيْهِ فِي الْحُكْمِ، وَقَالُوا: يَأْثَمُ الزَّوْجُ إِذَا تَرَكَ مَا يَجِبُ عَلَيْهِ دِيَانَةً مُتَعَنِّتًا مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَى الْوَطْءِ (2) .
وَالثَّانِي: لِلشَّافِعِيَّةِ، وَهُوَ أَنَّهُ لاَ يَجِبُ عَلَى الزَّوْجِ وَطْءُ زَوْجَتِهِ، وَلاَ يُجْبَرُ عَلَيْهِ قَضَاءً، وَلاَ إِثْمَ عَلَيْهِ فِي تَرْكِهِ، لأَِنَّهُ حَقُّهُ، فَجَازَ لَهُ تَرْكُهُ، وَلأَِنَّ فِي دَاعِيَةِ الطَّبْعِ مَا يُغْنِي عَنْ إِيجَابِهِ، وَلأَِنَّ الْجِمَاعَ
__________
(1) حديث: فصم وأفطر وكل ونم. أخرجه الدارقطني (2 / 176 - ط دار المحاسن) من حديث أبي جحيفة، وأصله في صحيح البخاري (الفتح 4 / 209) .
(2) البدائع 2 / 331، وفتح القدير 3 / 302، والكفاية على الهداية 3 / 300، ورد المحتار 2 / 594، وفتح الباري 9 / 299.
مِنْ دَوَاعِي الشَّهْوَةِ وَخُلُوصِ الْمَحَبَّةِ الَّتِي لاَ يُقْدَرُ عَلَى تَكَلُّفِهَا بِالتَّصَنُّعِ.
وَلَكِنْ يُسْتَحَبُّ لَهُ أَنْ لاَ يُعَطِّلَهَا مِنَ الْجِمَاعِ تَحْصِينًا لَهَا، لأَِنَّهُ مِنَ الْمُعَاشَرَةِ بِالْمَعْرُوفِ، وَلأَِنَّ تَرْكَهُ قَدْ يُؤَدِّي إِلَى الإِْضْرَارِ بِهَا أَوْ فَسَادِهَا (1) .
قَال الْعِزُّ بْنُ عَبْدِ السَّلاَمِ: الرَّجُل مُخَيَّرٌ بَيْنَ الْجِمَاعِ وَتَرْكِهِ، وَفِعْل مَا الأَْصْلَحُ لِلزَّوْجَيْنِ أَفْضَل (2) . وَقَال الْغَزَالِيُّ: وَيَنْبَغِي أَنْ يَأْتِيَهَا فِي كُل أَرْبَعِ لَيَالٍ مَرَّةً، فَهُوَ أَعْدَلُهُ، إِذْ عَدَدُ النِّسَاءِ أَرْبَعَةٌ، فَجَازَ التَّأْخِيرُ إِلَى هَذَا الْحَدِّ. نَعَمْ، يَنْبَغِي أَنْ يَزِيدَ أَوْ يَنْقُصَ بِحَسَبِ حَاجَتِهَا فِي التَّحْصِينِ، فَإِنَّ تَحْصِينَهَا وَاجِبٌ عَلَيْهِ، وَإِنْ كَانَ لاَ يَثْبُتُ الْمُطَالَبَةُ بِالْوَطْءِ، وَذَلِكَ لِعُسْرِ الْمُطَالَبَةِ وَالْوَفَاءِ. وَاخْتَارَ قَوْل الْقَمُولِيِّ: أَنَّهُ يُكْرَهُ الإِْعْرَاضُ عَنْهُنَّ، وَقَوَّى الْوَجْهَ الْمُحَرِّمَ لِذَلِكَ (3) .
وَالثَّالِثُ: لِلْمَالِكِيَّةِ، وَهُوَ أَنَّ الْجِمَاعَ وَاجِبٌ عَلَى الرَّجُل لِلْمَرْأَةِ فِي الْجُمْلَةِ إِذَا انْتَفَى الْعُذْرُ، وَيُقْضَى عَلَيْهِ بِهِ حَيْثُ تَضَرَّرَتْ بِتَرْكِهِ. فَإِذَا شَكَتْ
__________
(1) مغني المحتاج 3 / 251، وتحفة المحتاج 7 / 440، والحاوي الكبير 12 / 212، وفتح الباري 9 / 299، وأسنى المطالب 3 / 229، والوسيط للغزالي 5 / 285.
(2) قواعد الأحكام ص351.
(3) إحياء علوم الدين 2 / 46، وتحفة المحتاج 7 / 144.
الصفحة 36