كتاب الموسوعة الفقهية الكويتية (اسم الجزء: 44)

اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ: كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُعْتَكِفًا فَأَتَيْتُهُ أَزُورُهُ لَيْلاً، فَحَدَّثْتُهُ ثُمَّ قُمْتُ لأَِنْقَلِبَ، فَقَامَ مَعِي لِيَقْلِبَنِي، وَكَانَ مَسْكَنُهَا فِي دَارِ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ، فَمَرَّ رَجُلاَنِ مِنَ الأَْنْصَارِ، فَلَمَّا رَأَيَا النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَسْرَعَا، فَقَال النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: عَلَى رِسْلِكُمَا، إِنَّهَا بِنْتُ حُيَيٍّ، فَقَالاَ: سُبْحَانَ اللَّهِ يَا رَسُول اللَّهِ، فَقَال: إِنَّ الشَّيْطَانَ يَجْرِي مِنَ الإِْنْسَانِ مَجْرَى الدَّمِ، وَإِنِّي خَشِيتُ أَنْ يَقْذِفَ فِي قُلُوبِكُمَا شَرًّا (1) .
وَلِمَا وَرَدَ أَنَّ عَلِيًّا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ شَرِبَ قَائِمًا، وَقَال: رَأَيْتُ رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَعَل كَمَا رَأَيْتُمُونِي فَعَلْتُ (2) .
قَال ابْنُ عَلاَّنَ: فَعَل عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ لِتَبْلِيغِ شَرْعِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَأَنَّ فِعْلَهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِبَيَانِ الْجَوَازِ، وَأَنَّ نَهْيَهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنِ الشُّرْبِ قَائِمًا (3) لَيْسَ عَلَى سَبِيل التَّحْرِيمِ بَل عَلَى سَبِيل الْكَرَاهَةِ وَالتَّنْزِيهِ (4) .
__________
(1) حديث صفية رضي الله عنها: " كان النبي صلى الله عليه وسلم معتكفا. . . " أخرجه البخاري (الفتح 4 / 278) ، ومسلم (4 / 1712) واللفظ لمسلم.
(2) حديث علي " أنه شرب قائما. . . " أخرجه البخاري (الفتح 10 / 81) .
(3) حديث: " نهيه صلى الله عليه وسلم عن الشرب قائما " أخرجه مسلم (3 / 1600) من حديث أنس بن مالك.
(4) الفتوحات الربانية 6 / 282، وما بعدها.
مَنْعُ مَنْ لَيْسَ أَهْلاً لِلْوَعْظِ مِنَ الْوَعْظِ:
6 - ذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ إِلَى أَنَّ مَنْ تَصَدَّى لِلْوَعْظِ وَلَيْسَ مِنْ أَهْلِهِ، أَوْ كَانَ يَكْذِبُ، فَإِنَّهُ يُمْنَعُ مِنْ ذَلِكَ، لأَِنَّهُ لاَ يُؤْمَنُ اغْتِرَارُ النَّاسِ بِهِ فِي تَأْوِيلٍ أَوْ تَحْرِيفٍ (1) .
أَمَّا الْمُبْتَدِعُ فَلاَ يَجُوزُ حُضُورُ مَجْلِسِهِ إِلاَّ عَلَى قَصْدِ إِظْهَارِ الرَّدِّ عَلَيْهِ، إِمَّا لِلْكَافَّةِ إِنْ قَدَرَ عَلَى ذَلِكَ، أَوْ لِبَعْضِ الْحَاضِرِينَ حَوَالَيْهِ، فَإِنْ لَمْ يَقْدِرْ فَلاَ يَجُوزُ لَهُ الْجُلُوسُ، قَال تَعَالَى: {وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ} (2) .

الرُّكْنُ الثَّانِي: الْمَوْعُوظُ
7 - مِنْ آدَابِ الْمَوْعُوظِ مَا يَلِي:
أ - مِنْ آدَابِ الْمَوْعُوظِينَ وَالْمُسْتَمِعِينَ لِلْوَعْظِ أَنْ يُنْصِتُوا لِلْوَاعِظِ وَأَنْ لاَ يَتَكَلَّمُوا فِيمَا بَيْنَهُمْ، فَإِنْ لَمْ يُنْصِتُوا فَلِلْوَاعِظِ أَنْ يَطْلُبَ مِنَ الْحَاضِرِينَ الاِسْتِمَاعَ إِلَى وَعْظِهِ، لأَِنَّ ذَلِكَ سَبَبٌ لِتَيْسِيرِ وُصُول الْوَعْظِ إِلَيْهِمْ، لِحَدِيثِ جَرِيرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَال لَهُ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ: " اسْتَنْصِتِ النَّاسَ. فَقَال: لاَ تَرْجِعُوا بَعْدِي كُفَّارًا يَضْرِبُ
__________
(1) روضة الطالبين 10 / 218 ط المكتب الإسلامي، الآداب الشرعية 1 / 89 - 93.
(2) سورة الأنعام / 68.

الصفحة 83