كتاب الموسوعة الفقهية الكويتية (اسم الجزء: 44)

أَنْتَ بِمُحَدِّثٍ قَوْمًا حَدِيثًا لاَ تَبْلُغُهُ عُقُولُهُمْ إِلاَّ كَانَ لِبَعْضِهِمْ فِتْنَةً " (1) .

رَابِعًا: الاِقْتِصَادُ فِي الْوَعْظِ:
11 - يُرَاعَى فِي الْوَعْظِ أَنْ يَكُونَ مُقْتَصِدًا مُتَوَسِّطًا بَيْنَ الْبَسْطِ الْمُؤَدِّي إِلَى الإِْمْلاَل وَالسَّآمَةِ وَبَيْنَ الإِْيجَازِ الْمُؤَدِّي إِلَى الإِْخْلاَل أَوْ عُسْرِ الْفَهْمِ لِلْمَقَال، لأَِنَّ خَيْرَ الأُْمُورِ أَوْسَطُهَا، وَأَحْسَنُ الْمَوَاعِظِ مَا كَانَ جَزْلاً جَامِعًا بَلِيغًا نَافِعًا، وَلأَِنَّ خَيْرَ الْكَلاَمِ مَا قَل وَدَل، لِمَا رَوَى عَمَّارُ بْنُ يَاسِرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَال: " سَمِعْتُ رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُول: إِنَّ طُول صَلاَةِ الرَّجُل وَقِصَرَ خُطْبَتِهِ مَئِنَّةٌ مِنْ فِقْهِهِ، فَأَطِيلُوا الصَّلاَةَ وَاقْصُرُوا الْخُطْبَةَ (2) .
قَال الْعُلَمَاءُ: وَإِنَّمَا كَانَ كَذَلِكَ، لأَِنَّ الْفَقِيهَ يَعْلَمُ أَنَّ الصَّلاَةَ مَقْصُودَةٌ بِالذَّاتِ وَالْخُطْبَةَ تَوْطِئَةٌ لَهَا، فَيَصْرِفُ الْعِنَايَةَ إِلَى مَا هُوَ الأَْهَمُّ، وَلأَِنَّ الصَّلاَةَ عُبُودِيَّةُ الْعَبْدِ، وَالإِْطَالَةُ فِيهَا مُبَالَغَةٌ فِي الْعُبُودِيَّةِ، وَالْخُطْبَةُ الْمُرَادُ مِنْهَا التَّذْكِيرُ، وَمَا قَل وَقَرَّ خَيْرٌ مِمَّا كَثُرَ وَفَرَّ (3) .
__________
(1) أثر ابن مسعود: " ما أنت بمحدث قوما. . . " أخرجه مسلم في مقدمة صحيحه (1 / 11) .
(2) حديث: " إن طول صلاة الرجل. . . " أخرجه مسلم (2 / 594) .
(3) الفتوحات الربانية 6 / 236 وما بعدها، ودليل الفالحين شرح رياض الصالحين 3 / 166، 168، 172، وانظر فتح الباري 1 / 163، والآداب الشرعية 1 / 98، 2 / 93.
12 - وَذَهَبَ الْعُلَمَاءُ إِلَى اسْتِحْبَابِ تَعَهُّدِ النَّاسِ بِالْوَعْظِ وَمُرَاعَاةِ الأَْوْقَاتِ فِي وَعْظِهِمْ، وَيَتَحَرَّى مِنَ الأَْوْقَاتِ مَا كَانَ مَظِنَّةَ الْقَبُول، وَلاَ يَعِظُ النَّاسَ كُل يَوْمٍ حَتَّى لاَ يَسْأَمُوا مِنْ سَمَاعِ الْمَوْعِظَةِ.
وَالضَّابِطُ فِي ذَلِكَ الْحَاجَةُ مَعَ مُرَاعَاةِ وُجُودِ النَّشَاطِ مِنَ النَّاسِ، لأَِنَّ الْمَوَاعِظَ إِذَا كَثُرَتْ لَمْ تُؤَثِّرْ فِي الْقُلُوبِ فَتَسْقُطُ بِالإِْكْثَارِ فَائِدَةُ الْمَوَاعِظِ.
وَذَهَبَ الْعُلَمَاءُ أَيْضًا إِلَى اسْتِحْبَابِ أَنْ يَجْعَل الْوَاعِظُ لِوَعْظِهِ وَقْتًا مُحَدَّدًا كَيَوْمِ الْخَمِيسِ (1) ، وَالأَْصْل فِي ذَلِكَ كُلِّهِ مَا وَرَدَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَال: كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَتَخَوَّلُنَا بِالْمَوْعِظَةِ فِي الأَْيَّامِ كَرَاهَةَ السَّآمَةِ عَلَيْنَا (2) .
وَكَذَلِكَ مَا وَرَدَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ أَيْضًا " أَنَّهُ كَانَ يُذَكِّرُ النَّاسَ فِي كُل خَمِيسٍ، فَقَال لَهُ رَجُلٌ: يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ لَوَدِدْتُ أَنَّكَ ذَكَّرْتَنَا كُل يَوْمٍ، قَال: أَمَا إِنَّهُ يَمْنَعُنِي مِنْ ذَلِكَ أَنِّي أَكْرَهُ أَنْ أُمِلَّكُمْ، وَإِنِّي أَتَخَوَّلُكُمْ بِالْمَوْعِظَةِ كَمَا كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَتَخَوَّلُنَا بِهَا مَخَافَةَ السَّآمَةِ عَلَيْنَا " (3) .
__________
(1) فتح الباري 1 / 162 - 163، عمدة القارئ 2 / 44 - 47 الطبعة المنيرية، وقواعد الأحكام 2 / 176 ط دار الكتب العلمية، والآداب الشرعية 2 / 108 ط مكتبة الرياض الحدثية.
(2) حديث: " كان النبي صلى الله عليه وسلم يتخولنا بالموعظة. . ". أخرجه البخاري (الفتح 1 / 162) .
(3) حديث ابن مسعود: " أنه كان يذكر الناس. . " أخرجه البخاري (الفتح 1 / 163) .

الصفحة 86