كتاب مجموع فتاوى ابن باز (اسم الجزء: 23)

والعلماء قد بين الله شأنهم ورفع قدرهم، وهم أهل العلم بالله وبشريعته، والعاملون بما جاء عن الله وعن نبيه عليه الصلاة والسلام، وهم علماء الهدى، ومصابيح الدجى، وهم العاملون بكتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، وهم الذين قال فيهم جل وعلا: {شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ} (¬1) وقال فيهم جل وعلا: {يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ} (¬2)
وقال فيهم سبحانه: {إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ} (¬3) وقد صح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: «من يرد الله به خيرا يفقهه في الدين (¬4) » متفق على صحته. فهذا الحديث العظيم يدلنا على فضل الفقه في الدين. والفقه في الدين هو: الفقه في كتاب الله عز وجل، والفقه في سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو الفقه في الإسلام من جهة أصل الشريعة، ومن جهة أحكام الله التي أمرنا بها، ومن جهة ما نهانا عنه سبحانه وتعالى، ومن جهة البصيرة بما يجب على العبد من حق الله وحق عباده، ومن جهة خشية الله وتعظيمه ومراقبته. فإن رأس
¬__________
(¬1) سورة آل عمران الآية 18
(¬2) سورة المجادلة الآية 11
(¬3) سورة فاطر الآية 28
(¬4) صحيح البخاري العلم (71) ، صحيح مسلم الإمارة (1037) ، سنن ابن ماجه المقدمة (221) ، مسند أحمد بن حنبل (4/93) ، موطأ مالك كتاب الجامع (1667) ، سنن الدارمي المقدمة (226) .
الله عليه وسلم حين كان في المدينة، ولم يحفظ عنه صلى الله عليه وسلم في جميع أسفاره أنه صلى الجمعة، ولو فعل ذلك ولو مرة واحدة لنقل ذلك أصحابه - رضي الله عنهم - فقد نقلوا عنه من السنة ما هو أقل من ذلك، ومن الدليل على ذلك أيضا ما ثبت عن ابن عمر رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «من أدرك ركعة من الجمعة فليضف إليها أخرى وقد تمت صلاته (¬1) » وهذا يدل على أن الجمعة لا تدرك إلا بركعة، وأن من أدرك أقل من ذلك لا يصلي جمعة، بل يصلي ظهرا. ثامنا: وأما قولهم إن الدعاء بعد الأذان بقول: «اللهم رب هذه الدعوة التامة والصلاة القائمة (¬2) » بدعة، فهو قول باطل، ولا أدرى كيف شبه عليهم في ذلك مع أنه قد ثبت في صحيح البخاري عن جابر بن عبد الله الأنصاري رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من قال حين يسمع النداء: اللهم رب هذه الدعوة التامة والصلاة القائمة آت محمدا الوسيلة والفضيلة وابعثه مقاما محمودا الذي وعدته حلت له شفاعتي يوم القيامة (¬3) » وفي صحيح
¬__________
(¬1) أخرجه النسائي برقم (554) كتاب المواقيت، باب من أدرك ركعة من الصلاة، وابن ماجه برقم (113) كتاب إقامة الصلاة والسنة فيها، باب ما جاء فيمن أدرك من الجمعة ركعة.
(¬2) صحيح البخاري الأذان (614) ، سنن الترمذي الصلاة (211) ، سنن النسائي الأذان (680) ، سنن أبو داود الصلاة (529) ، سنن ابن ماجه الأذان والسنة فيه (722) ، مسند أحمد بن حنبل (3/354) .
(¬3) أخرجه البخاري برقم (579) كتاب الأذان، باب الدعاء عند النداء.

الصفحة 288