كتاب مجموع الفتاوى (اسم الجزء: 1)

وَفِيهِ ذُلٌّ لِغَيْرِ اللَّهِ وَهُوَ ظُلْمٌ لِلنَّفْسِ. فَهُوَ مُشْتَمِلٌ عَلَى أَنْوَاعِ الظُّلْمِ الثَّلَاثَةِ وَقَدْ نَزَّهَ اللَّهُ رَسُولَهُ عَنْ ذَلِكَ كُلِّهِ. وَحَيْثُ أَمَرَ الْأُمَّةَ بِالدُّعَاءِ لَهُ فَذَاكَ مِنْ بَابِ أَمْرِهِمْ بِهَا يَنْتَفِعُونَ بِهِ كَمَا يَأْمُرُهُمْ بِسَائِرِ الْوَاجِبَاتِ والمستحبات وَإِنْ كَانَ هُوَ يَنْتَفِعُ بِدُعَائِهِمْ لَهُ فَهُوَ أَيْضًا يَنْتَفِعُ بِمَا يَأْمُرُهُمْ بِهِ مِنْ الْعِبَادَاتِ وَالْأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ فَإِنَّهُ ثَبَتَ عَنْهُ فِي الصَّحِيحِ أَنَّهُ قَالَ: {مَنْ دَعَا إلَى هُدًى كَانَ لَهُ مِنْ الْأَجْرِ مِثْلُ أُجُورِ مَنْ اتَّبَعَهُ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَنْقُصَ مِنْ أُجُورِهِمْ شَيْءٌ} وَمُحَمَّدٌ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هُوَ الدَّاعِي إلَى مَا تَفْعَلُهُ أُمَّتُهُ مِنْ الْخَيْرَاتِ فَمَا يَفْعَلُونَهُ لَهُ فِيهِ مِنْ الْأَجْرِ مِثْلُ أُجُورِهِمْ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَنْقُصَ مِنْ أُجُورِهِمْ شَيْءٌ. وَلِهَذَا لَمْ تَجْرِ عِبَادَةُ السَّلَفِ بِأَنْ يُهْدُوا إلَيْهِ ثَوَابَ الْأَعْمَالِ لِأَنَّ لَهُ مِثْلَ ثَوَابِ أَعْمَالِهِمْ بِدُونِ الْإِهْدَاءِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَنْقُصَ مِنْ ثَوَابِهِمْ شَيْءٌ. وَلَيْسَ كَذَلِكَ الْأَبَوَانِ فَإِنَّهُ لَيْسَ كُلُّ مَا يَفْعَلُهُ الْوَلَدُ يَكُونُ لِلْوَالِدِ مِثْلُ أَجْرِهِ وَإِنَّمَا يَنْتَفِعُ الْوَالِدُ بِدُعَاءِ الْوَلَدِ وَنَحْوِهِ مِمَّا يَعُودُ نَفْعُهُ إلَى الْأَبِ كَمَا قَالَ فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ: {إذَا مَاتَ ابْنُ آدَمَ انْقَطَعَ عَمَلُهُ إلَّا مِنْ ثَلَاثٍ: صَدَقَةٌ جَارِيَةٌ وَعِلْمٌ يُنْتَفَعُ بِهِ وَوَلَدٌ صَالِحٌ يَدْعُو لَهُ} . فَالنَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِيمَا يَطْلُبُهُ مِنْ أُمَّتِهِ مِنْ الدُّعَاءِ - طَلَبُهُ طَلَبُ أَمْرٍ وَتَرْغِيبٍ لَيْسَ بِطَلَبِ سُؤَالٍ. فَمِنْ ذَلِكَ أَمْرُهُ لَنَا بِالصَّلَاةِ وَالسَّلَامِ عَلَيْهِ فَهَذَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ فِي الْقُرْآنِ بِقَوْلِهِ: {صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا} . وَالْأَحَادِيثُ عَنْهُ فِي الصَّلَاةِ وَالسَّلَامِ مَعْرُوفَةٌ.

الصفحة 191

Back to Main
Last Page
Next Page
Previous Page
First Page
Download as PDF
Show as text