كتاب مجموع الفتاوى (اسم الجزء: 2)

وَقَدْ ثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ {أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَدْعُو عَلَى قَوْمٍ مِنْ الْكُفَّارِ أَوْ يَلْعَنُهُمْ فِي الْقُنُوتِ فَلَمَّا أَنْزَلَ اللَّهُ هَذِهِ الْآيَةَ: تَرَكَ ذَلِكَ} فَعُلِمَ أَنَّ مَعْنَاهَا إفْرَادُ الرَّبِّ تَعَالَى بِالْأَمْرِ وَأَنَّهُ لَيْسَ لِغَيْرِهِ أَمْرٌ؛ بَلْ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى قَطَعَ طَرَفًا مِنْ الْكُفَّارِ وَإِنْ شَاءَ كَبَتَهُمْ فَانْقَلَبُوا بِالْخَسَارَةِ وَإِنْ شَاءَ تَابَ عَلَيْهِمْ وَإِنْ شَاءَ عَذَّبَهُمْ. وَهَذَا كَمَا قَالَ فِي الْآيَةِ الْأُخْرَى: {قُلْ لَا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلَا ضَرًّا إلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ} وَنَحْوُ ذَلِكَ قَوْله تَعَالَى {يَقُولُونَ لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ مَا قُتِلْنَا هَاهُنَا} {قُلْ إنَّ الْأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ} .
الْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّ قَوْلَهُ: {وَمَا رَمَيْتَ إذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى} لَمْ يُرِدْ بِهِ أَنَّ فِعْلَ الْعَبْدِ هُوَ فِعْلُ اللَّهِ تَعَالَى - كَمَا تَظُنُّهُ طَائِفَةٌ مِنْ الغالطين - فَإِنَّ ذَلِكَ لَوْ كَانَ صَحِيحًا لَكَانَ يَنْبَغِي أَنْ يُقَالَ لِكُلِّ أَحَدٍ حَتَّى يُقَالَ لِلْمَاشِي: مَا مَشَيْت إذْ مَشَيْت وَلَكِنَّ اللَّهَ مَشَى وَيُقَالُ لِلرَّاكِبِ: وَمَا رَكِبْت إذْ رَكِبْت وَلَكِنَّ اللَّهَ رَكِبَ وَيُقَالُ لِلْمُتَكَلِّمِ: مَا تَكَلَّمْت إذْ تَكَلَّمْت وَلَكِنَّ اللَّهَ تَكَلَّمَ وَيُقَالُ مِثْلُ ذَلِكَ لِلْآكِلِ وَالشَّارِبِ وَالصَّائِمِ وَالْمُصَلِّي وَنَحْوِ ذَلِكَ. وَطَرْدُ ذَلِكَ: يَسْتَلْزِمُ أَنْ يُقَالَ لِلْكَافِرِ مَا كَفَرْت إذْ كَفَرْت وَلَكِنَّ اللَّهَ كَفَرَ وَيُقَالُ لِلْكَاذِبِ مَا كَذَبْت إذْ كَذَبْت وَلَكِنَّ اللَّهَ كَذَبَ. وَمَنْ قَالَ مِثْلَ هَذَا: فَهُوَ كَافِرٌ مُلْحِدٌ خَارِجٌ عَنْ الْعَقْلِ وَالدِّينِ.

الصفحة 331

Back to Main
Last Page
Next Page
Previous Page
First Page
Download as PDF
Show as text