كتاب مجموع الفتاوى (اسم الجزء: 5)

وَهَؤُلَاءِ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ اتَّبَعُوا قَوْله تَعَالَى {وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إلَّا اللَّهُ} فَإِنَّهُ وَقَفَ أَكْثَرُ السَّلَفِ عَلَى قَوْلِهِ: {وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إلَّا اللَّهُ} . وَهُوَ وَقْفٌ صَحِيحٌ لَكِنْ لَمْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ مَعْنَى الْكَلَامِ وَتَفْسِيرِهِ؛ وَبَيْنَ " التَّأْوِيلِ " الَّذِي انْفَرَدَ اللَّهُ تَعَالَى بِعِلْمِهِ؛ وَظَنُّوا أَنَّ التَّأْوِيلَ الْمَذْكُورَ فِي كَلَامِ اللَّهِ تَعَالَى هُوَ " التَّأْوِيلُ " الْمَذْكُورُ فِي كَلَامِ الْمُتَأَخِّرِينَ وَغَلِطُوا فِي ذَلِكَ. فَإِنَّ لَفْظَ " التَّأْوِيلِ " يُرَادُ بِهِ ثَلَاثُ مَعَانٍ: " فَالتَّأْوِيلُ " فِي اصْطِلَاحِ كَثِيرٍ مِنْ الْمُتَأَخِّرِينَ هُوَ: صَرْفُ اللَّفْظِ عَنْ الِاحْتِمَالِ الرَّاجِحِ إلَى الِاحْتِمَالِ الْمَرْجُوحِ لِدَلِيلِ يَقْتَرِنُ بِذَلِكَ فَلَا يَكُونُ مَعْنَى اللَّفْظِ الْمُوَافِقِ لِدَلَالَةِ ظَاهِرِهِ تَأْوِيلًا عَلَى اصْطِلَاحِ هَؤُلَاءِ؛ وَظَنُّوا أَنَّ مُرَادَ اللَّهِ تَعَالَى بِلَفْظِ التَّأْوِيلِ ذَلِكَ وَأَنَّ لِلنُّصُوصِ تَأْوِيلًا يُخَالِفُ مَدْلُولَهَا لَا يَعْلَمُهُ إلَّا اللَّهُ وَلَا يَعْلَمُهُ الْمُتَأَوِّلُونَ. ثُمَّ كَثِيرٌ مِنْ هَؤُلَاءِ يَقُولُونَ: تَجْرِي عَلَى ظَاهِرِهَا فَظَاهِرُهَا مُرَادٌ مَعَ قَوْلِهِمْ: إنَّ لَهَا تَأْوِيلًا بِهَذَا الْمَعْنَى لَا يَعْلَمُهُ إلَّا اللَّهُ. وَهَذَا تَنَاقُضٌ وَقَعَ فِيهِ كَثِيرٌ مِنْ هَؤُلَاءِ الْمُنْتَسِبِينَ إلَى السُّنَّةِ: مِنْ أَصْحَابِ " الْأَئِمَّةِ الْأَرْبَعَةِ " وَغَيْرِهِمْ.
وَالْمَعْنَى الثَّانِي " أَنَّ التَّأْوِيلَ " هُوَ تَفْسِيرُ الْكَلَامِ - سَوَاءٌ وَافَقَ ظَاهِرَهُ أَوْ لَمْ يُوَافِقْهُ - وَهَذَا هُوَ " التَّأْوِيلُ " فِي اصْطِلَاحِ جُمْهُورِ الْمُفَسِّرِينَ وَغَيْرِهِمْ. وَهَذَا " التَّأْوِيلُ " يَعْلَمُهُ الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ وَهُوَ مُوَافِقٌ لِوَقْفِ مَنْ وَقَفَ

الصفحة 35

Back to Main
Last Page
Next Page
Previous Page
First Page
Download as PDF
Show as text