كتاب مجموع الفتاوى (اسم الجزء: 5)

ثُمَّ نفاة الصِّفَاتِ يَقُولُونَ: رَجَحَ بِمُجَرَّدِ الْقُدْرَةِ وَكَذَلِكَ أَصْلُ الْقَدَرِيَّةِ. وَالْمُعْتَزِلَةُ جَمَعَتْ بَيْنَ الْأَمْرَيْنِ. وَأَمَّا الْمُثْبِتَةُ كالْكُلَّابِيَة والكَرَّامِيَة فَيَدَّعُونَ أَنَّهُ رَجَحَ بِمَشِيئَةِ قَدِيمَةٍ أَزَلِيَّةٍ. وَكِلَا الْقَوْلَيْنِ مِمَّا يُنْكِرُهُ جُمْهُورُ الْعُقَلَاءِ. وَلِهَذَا صَارَ كَثِيرٌ مِنْ الْمُصَنِّفِينَ فِي هَذَا الْبَابِ كالرَّازِي وَمَنْ قَبْلَهُ مِنْ أَئِمَّةِ الْكَلَامِ وَالْفَلْسَفَةِ - كالشَّهْرَستَانِي وَمَنْ قَبْلَهُ مِنْ طَوَائِفِ الْكَلَامِ وَالْفَلْسَفَةِ - لَا يُوجَدُ عِنْدَهُمْ إلَّا الْعِلَّةُ الْفَلْسَفِيَّةُ أَوْ الْقَادِرِيَّةُ الْمُعْتَزِلِيَّةُ أَوْ الْإِرَادِيَّةُ الْكُلَّابِيَة. وَكُلٌّ مِنْ الثَّلَاثَةِ مُنْكَرٌ فِي الْعَقْلِ وَالشَّرْعِ؛ وَلِهَذَا كَانَتْ بُحُوثُ الرَّازِي فِي مَسْأَلَةِ الْقَادِرِ الْمُخْتَارِ فِي غَايَةِ الضَّعْفِ مِنْ جِهَةِ الْمُسْلِمِينَ وَهِيَ عَلَى قَوْلِ الدَّهْرِيَّةِ أَظْهَرُ دَلَالَةً. وَاحْتَجَّ أَهْلُ الْكَلَامِ الْمُبْتَدَعِ بِأَنَّهُ يَمْتَنِعُ وُجُودُ حَوَادِثَ لَا أَوَّلَ لَهَا وَيَقُولُونَ: لَوْ وُجِدَتْ حَوَادِثُ لَا أَوَّلَ لَهَا؛ لَكُنَّا إذَا قَدَّرْنَا مَا وُجِدَ قَبْلَ الطُّوفَانِ وَمَا وُجِدَ قَبْلَ الْهِجْرَةِ وَقَابَلْنَا بَيْنَهُمَا؛ فَإِمَّا أَنْ يَتَسَاوَيَا - وَهُوَ مُمْتَنِعٌ - لِأَنَّهُ يَكُونُ الزَّائِدُ مِثْلَ النَّاقِصِ وَإِمَّا أَنْ يَتَفَاضَلَا فَيَكُونُ فِيمَا لَا يُتَنَاهَى تَفَاضَلَا وَهُوَ مُمْتَنِعٌ. وَيَذْكُرُونَ حُجَجًا أُخْرَى قَدْ بُسِطَ الْكَلَامُ عَلَيْهَا فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ. وَقَدْ تَكَلَّمَ النَّاسُ فِي هَذِهِ " الْحُجَّةِ " وَنَحْوِهَا وَبَيَّنُوا فَسَادَهَا؛ بِأَنَّ التَّفَاضُلَ إنَّمَا يَقَعُ مِنْ الطَّرَفِ الْمُتَنَاهِي لَا مِنْ الطَّرَف الَّذِي لَا يَتَنَاهَى وَبِأَنَّ هَذَا

الصفحة 560

Back to Main
Last Page
Next Page
Previous Page
First Page
Download as PDF
Show as text