كتاب مجموع الفتاوى (اسم الجزء: 8)

الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الْأَرْضِ أَوْ يَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ فَهُوَ مِنْ أَعْظَمِ النَّاسِ جَهْلًا وَأَشَدِّهِمْ كُفْرًا بَلْ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ مِنْ الْعِبَادَاتِ وَالدَّعَوَاتِ وَالْعُلُومِ وَالْأَعْمَالِ مِنْ أَعْظَمِ الْأَسْبَابِ فِيمَا نِيطَ بِهَا مِنْ الْعِبَادَاتِ وَكَذَلِكَ مَا نَهَى عَنْهُ مِنْ الْكُفْرِ وَالْفُسُوقِ وَالْعِصْيَانِ هِيَ مِنْ أَعْظَمِ الْأَسْبَابِ لِمَا عَلَقَ بِهَا مِنْ الشَّقَاوَاتِ. وَمَعَ هَذَا فَقَدْ قَالَ خَيْرُ الْخَلْقِ: {إنَّهُ لَنْ يَدْخُلَ أَحَدٌ مِنْكُمْ الْجَنَّةَ بِعَمَلِهِ قَالُوا: وَلَا أَنْتَ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ: وَلَا أَنَا إلَّا أَنْ يَتَغَمَّدَنِي اللَّهُ بِرَحْمَةِ مِنْهُ وَفَضْلٍ} وَلَمَّا قَالَ لَهُمْ: {مَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ إلَّا وَقَدْ عَلِمَ مَقْعَدَهُ مِنْ الْجَنَّةِ وَمَقْعَدَهُ مِنْ النَّارِ - قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَفَلَا نَتَّكِلُ عَلَى الْكِتَابِ وَنَدَعُ الْعَمَلَ قَالَ: لَا اعْمَلُوا فَكُلٌّ مُيَسَّرٌ لِمَا خُلِقَ لَهُ أَمَّا مَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ السَّعَادَةِ فَسَيُيَسَّرُ لِعَمَلِ أَهْلِ السَّعَادَةِ وَأَمَّا مَنْ كَانَ مَنْ أَهْلِ الشَّقَاوَةِ فَسَيُيَسَّرُ لِعَمَلِ أَهْلِ الشَّقَاوَةِ} .
وَكَذَلِكَ الدُّعَاءُ وَالتَّوَكُّلُ مِنْ أَعْظَمِ الْأَسْبَابِ لِمَا جَعَلَهُ اللَّهُ سَبَبًا لَهُ فَمَنْ قَالَ: مَا قُدِّرَ لِي فَهُوَ يَحْصُلُ لِي دَعَوْتُ أَوْ لَمْ أَدْعُ وَتَوَكَّلْتُ أَوْ لَمْ أَتَوَكَّلْ فَهُوَ بِمَنْزِلَةِ مَنْ يَقُولُ: مَا قُسِمَ لِي مِنْ السَّعَادَةِ وَالشَّقَاوَةِ فَهُوَ يَحْصُلُ لِي آمَنْتُ أَوْ لَمْ أُؤْمِنْ وَأَطَعْتُ أَمْ عَصَيْتُ وَمَعْلُومٌ أَنَّ هَذَا ضَلَالٌ وَكُفْرٌ؛ وَإِنْ كَانَ الْأَوَّلُ لَيْسَ مِثْلَ هَذَا فِي الضَّلَالِ إذْ لَيْسَ تَعْلِيقُ الْمَقَاصِدِ بِالدُّعَاءِ وَالتَّوَكُّلِ كَتَعْلِيقِ سَعَادَةِ الْآخِرَةِ بِالْإِيمَانِ لَكِنْ لَا رَيْبَ أَنَّ مَا جَعَلَ اللَّهُ الدُّعَاءَ سَبَبًا لَهُ فَهُوَ بِمَنْزِلَةِ مَا جُعِلَ الْعَمَلُ

الصفحة 176

Back to Main
Last Page
Next Page
Previous Page
First Page
Download as PDF
Show as text