كتاب مجموع الفتاوى (اسم الجزء: 8)

وَلِأَجْلِ تَجَاذُبِ هَذَا الْأَصْلِ وَوُقُوعِ الِاشْتِبَاهِ فِيهِ صَارَ النَّاسُ فِيهِ إلَى التَّقْدِيرَاتِ الثَّلَاثَةِ الْمَذْكُورَةِ فِي سُؤَالِ السَّائِلِ وَكُلِّ تَقْدِيرٍ قَالَ بِهِ طَوَائِفُ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ الْمُسْلِمِينَ وَغَيْرِ الْمُسْلِمِينَ.
فَالتَّقْدِيرُ الْأَوَّلُ: هُوَ قَوْلُ مَنْ يَقُولُ خَلَقَ الْمَخْلُوقَاتِ وَأَمَرَ بِالْمَأْمُورَاتِ لَا لِعِلَّةِ وَلَا لِدَاعٍ وَلَا بَاعِثٍ بَلْ فَعَلَ ذَلِكَ لِمَحْضِ الْمَشِيئَةِ وَصَرْفِ الْإِرَادَةِ وَهَذَا قَوْلُ كَثِيرٍ مِمَّنْ يُثْبِتُ الْقَدَرَ وَيَنْتَسِبُ إلَى السُّنَّةِ مِنْ أَهْلِ الْكَلَامِ وَالْفِقْهِ وَغَيْرِهِمْ. وَقَدْ قَالَ بِهَذَا طَوَائِفُ مِنْ أَصْحَابِ مَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ وَأَحْمَدَ وَغَيْرِهِمْ وَهُوَ قَوْلُ الْأَشْعَرِيِّ وَأَصْحَابِهِ وَقَوْلُ كَثِيرٍ مِنْ " نفاة الْقِيَاسِ فِي الْفِقْهِ " الظَّاهِرِيَّةِ كَابْنِ حَزْمٍ وَأَمْثَالِهِ. وَمِنْ حُجَّةِ هَؤُلَاءِ أَنَّهُ لَوْ خَلَقَ الْخَلْقَ لِعِلَّةِ لَكَانَ نَاقِصًا بِدُونِهَا مُسْتَكْمِلًا بِهَا؛ فَإِنَّهُ إمَّا أَنْ يَكُونَ وُجُودُ تِلْكَ الْعِلَّةِ وَعَدَمُهَا بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِ سَوَاءً أَوْ يَكُونُ وُجُودُهَا أَوْلَى بِهِ. فَإِنْ كَانَ الْأَوَّلُ امْتَنَعَ أَنْ يَفْعَلَ لِأَجْلِهَا وَإِنْ كَانَ الثَّانِي ثَبَتَ أَنَّ وُجُودَهَا أَوْلَى بِهِ فَيَكُونُ مُسْتَكْمِلًا بِهَا فَيَكُونُ قَبْلَهَا نَاقِصًا. وَمِنْ حُجَّتِهِمْ مَا ذَكَرَهُ السَّائِلُ مِنْ أَنَّ الْعِلَّةَ إنْ كَانَتْ قَدِيمَةً وَجَبَ تَقْدِيمُ الْمَعْلُولِ؛ لِأَنَّ الْعِلَّةَ الغائية وَإِنْ كَانَتْ مُتَقَدِّمَةً عَلَى الْمَعْلُولِ فِي الْعِلْمِ وَالْقَصْدِ - كَمَا يُقَالُ: أَوَّلُ الْفِكْرَةِ آخِرُ الْعَمَلِ وَأَوَّلُ الْبُغْيَةِ آخِرُ الدَّرْكِ. وَيُقَالُ إنَّ الْعِلَّةَ الغائية بِهَا صَارَ الْفَاعِلُ فَاعِلًا - فَلَا رَيْبَ أَنَّهَا مُتَأَخِّرَةٌ فِي الْوُجُودِ عَنْهُ؛ فَمَنْ فَعَلَ فِعْلًا

الصفحة 83

Back to Main
Last Page
Next Page
Previous Page
First Page
Download as PDF
Show as text