كتاب مجموع الفتاوى (اسم الجزء: 27)

لَمَّا بَنَى الْبَيْتَ وَأَمَرَهُ اللَّهُ تَعَالَى أَنْ يُؤَذِّنَ فِي النَّاسِ بِحَجِّهِ فَكَانُوا يُسَافِرُونَ إلَيْهِ مِنْ زَمَنِ إبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ وَلَمْ يَكُنْ ذَلِكَ فَرْضًا عَلَى النَّاسِ فِي أَصَحِّ الْقَوْلَيْنِ. كَمَا لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ مَفْرُوضًا فِي أَوَّلِ الْإِسْلَامِ وَإِنَّمَا فَرَضَهُ اللَّهُ عَلَى مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي آخِرِ الْأَمْرِ لَمَّا نَزَلَتْ " سُورَةُ آلِ عِمْرَانَ ". وَفِي الْبَقَرَةِ أَمَرَ بِإِتْمَامِ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ لِمَنْ شَرَعَ فِيهِمَا؛ وَلِهَذَا كَانَ التَّطَوُّعُ بِهِمَا يُوجِبُ إتْمَامَهُمَا عِنْدَ عَامَّةِ الْعُلَمَاءِ. وَقِيلَ إنَّ الْأَمْرَ بِالْإِتْمَامِ إيجَابٌ لَهُمَا ابْتِدَاءً وَالْأَوَّلُ هُوَ الصَّحِيحُ. فَكَذَلِكَ الْمَسْجِدُ الْأَقْصَى وَمَسْجِدُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَنَى كُلًّا مِنْهُمَا رَسُولٌ كَرِيمٌ وَدَعَا النَّاسَ إلَى السَّفَرِ إلَيْهِمَا لِلْعِبَادَةِ فِيهِمَا. وَلَمْ يَبْنِ أَحَدٌ مِنْ الْأَنْبِيَاءِ عَلَيْهِمْ السَّلَامُ مَسْجِدًا وَدَعَا النَّاسَ إلَى السَّفَرِ لِلْعِبَادَةِ فِيهِ إلَّا هَذِهِ الْمَسَاجِدَ الثَّلَاثَةَ. وَلَكِنْ كَانَ لَهُمْ مَسَاجِدُ يُصَلُّونَ فِيهَا وَلَمْ يَدْعُوا النَّاسَ إلَى السَّفَرِ إلَيْهَا كَمَا كَانَ إبْرَاهِيمُ عَلَيْهِ السَّلَامُ يُصَلِّي فِي مَوْضِعِهِ وَإِنَّمَا دَعَا النَّاسُ إلَى حَجَّ الْبَيْتِ. وَلَا دَعَا نَبِيٌّ مِنْ الْأَنْبِيَاءِ إلَى السَّفَرِ إلَى قَبْرِهِ وَلَا بَيْتِهِ وَلَا مَقَامِهِ وَلَا غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ آثَارِهِ بَلْ هُمْ دَعَوْا إلَى عِبَادَةِ اللَّهِ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ قَالَ تَعَالَى لَمَّا ذَكَرَهُمْ {ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَلَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} {أُولَئِكَ الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ فَإِنْ يَكْفُرْ بِهَا هَؤُلَاءِ فَقَدْ وَكَّلْنَا بِهَا قَوْمًا لَيْسُوا بِهَا بِكَافِرِينَ} {أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهِ} .

الصفحة 352

Back to Main
Last Page
Next Page
Previous Page
First Page
Download as PDF
Show as text