كتاب مجموع الفتاوى (اسم الجزء: 28)

وَهَؤُلَاءِ إذَا كَانَ لَهُمْ طَائِفَةٌ مُمْتَنِعَةٌ. فَهَلْ يَجُوزُ اتِّبَاعُ مُدْبِرِهِمْ وَقَتْلُ أَسِيرِهِمْ وَالْإِجْهَازُ عَلَى جَرِيحِهِمْ؟ عَلَى قَوْلَيْنِ لِلْعُلَمَاءِ مَشْهُورَيْنِ. فَقِيلَ: لَا يُفْعَلُ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ مُنَادِيَ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ نَادَى يَوْمَ الْجَمَلِ لَا يُتْبَعُ مُدْبِرٌ وَلَا يُجْهَزُ عَلَى جَرِيحٍ وَلَا يُقْتَلُ أَسِيرٌ. وَقِيلَ: بَلْ يُفْعَلُ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ يَوْمَ الْجَمَلِ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ طَائِفَةٌ مُمْتَنِعَةٌ. وَكَانَ الْمَقْصُودُ مِنْ الْقِتَالِ دَفْعُهُمْ فَلَمَّا انْدَفَعُوا لَمْ يَكُنْ إلَى ذَلِكَ حَاجَةٌ؛ بِمَنْزِلَةِ دَفْعِ الصَّائِلِ. وَقَدْ رُوِيَ: أَنَّهُ يَوْمَ الْجَمَلِ وصفين كَانَ أَمْرُهُمْ بِخِلَافِ ذَلِكَ. فَمَنْ جَعَلَهُمْ بِمَنْزِلَةِ الْبُغَاةِ الْمُتَأَوِّلِينَ جَعَلَ فِيهِمْ هَذَيْنِ الْقَوْلَيْنِ. وَالصَّوَابُ أَنَّ هَؤُلَاءِ لَيْسُوا مِنْ الْبُغَاةِ الْمُتَأَوِّلِينَ؛ فَإِنَّ هَؤُلَاءِ لَيْسَ لَهُمْ تَأْوِيلٌ سَائِغٌ أَصْلًا وَإِنَّمَا هُمْ مِنْ جِنْسِ الْخَوَارِجِ الْمَارِقِينَ وَمَانِعِي الزَّكَاةِ وَأَهْلِ الطَّائِفِ والخرمية وَنَحْوِهِمْ مِمَّنْ قُوتِلُوا عَلَى مَا خَرَجُوا عَنْهُ مِنْ شَرَائِعِ الْإِسْلَامِ. وَهَذَا مَوْضِعٌ اشْتَبَهَ عَلَى كَثِيرٍ مِنْ النَّاسِ مِنْ الْفُقَهَاءِ؛ فَإِنَّ الْمُصَنِّفِينَ فِي " قِتَالِ أَهْلِ الْبَغْيِ " جَعَلُوا قِتَالَ مَانِعِي الزَّكَاةِ وَقِتَالَ الْخَوَارِجِ وَقِتَالَ عَلِيٍّ لِأَهْلِ الْبَصْرَةِ وَقِتَالَهُ لمعاوية وَأَتْبَاعِهِ: مِنْ قِتَالِ أَهْلِ الْبَغْيِ وَذَلِكَ كُلُّهُ مَأْمُورٌ بِهِ وَفَرَّعُوا مَسَائِلَ ذَلِكَ تَفْرِيعَ مَنْ يَرَى ذَلِكَ بَيْنَ النَّاسِ وَقَدْ غَلِطُوا؛ بَلْ الصَّوَابُ مَا عَلَيْهِ أَئِمَّةُ الْحَدِيثِ وَالسُّنَّةِ وَأَهْلِ الْمَدِينَةِ النَّبَوِيَّةِ؛ كالأوزاعي وَالثَّوْرِيِّ وَمَالِكٍ وَأَحْمَد بْنِ حَنْبَلٍ

الصفحة 548

Back to Main
Last Page
Next Page
Previous Page
First Page
Download as PDF
Show as text