كتاب مجموع الفتاوى (اسم الجزء: 35)

قُلْت ابْنُ عُمَرَ كَانَ مِنْ حَالِهِ أَنَّهُ يَتَوَقَّفُ عَنْ النَّذْرِ لِلْمَعْصِيَةِ لَا يَأْمُرُ فِيهِ لَا بِوَفَاءِ وَلَا تَرْكٍ كَمَا سُئِلَ عَنْ مَنْ نَذَرَ صَوْمَ يَوْمِ الْعِيدِ فَقَالَ: أَمَرَ اللَّهُ بِالْوَفَاءِ بِالنَّذْرِ وَنَهَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ صَوْمِ هَذَا الْيَوْمِ؛ وَذَلِكَ أَنَّهُ تَعَارَضَ عِنْدَهُ دَلِيلَانِ: الْأَمْرُ وَالنَّهْيُ. وَلَمْ يَتَبَيَّنْ لَهُ أَنَّ الْأَمْرَ بِوَفَاءِ النَّذْرِ مُقَيَّدٌ بِطَاعَةِ اللَّهِ؛ وَلِهَذَا نَقَلَ مَالِكٌ فِي " مُوَطَّئِهِ " الْحَدِيثَ الَّذِي أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ بَعْدَهُ عَنْ عَائِشَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: {مَنْ نَذَرَ أَنْ يُطِيعَ اللَّهَ فَلْيُطِعْهُ؛ وَمَنْ نَدَرَ أَنْ يَعْصِيَ اللَّهَ فَلَا يَعْصِهِ} مَعَ أَنَّ الْقُرْآنَ لَيْسَ فِيهِ أَمْرٌ بِالْوَفَاءِ بِالنَّذْرِ بِلَفْظِ النَّذْرِ مُطْلَقًا؛ إذْ قَوْلُهُ {يُوفُونَ بِالنَّذْرِ} خَبَرٌ وَثَنَاءٌ وَقَوْلُهُ: {وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ} خَاصٌّ؛ لَكِنَّ اللَّهَ أَمَرَ بِالْوَفَاءِ بِالْعُهُودِ وَالْعُقُودِ وَالنَّذْرُ مِنْ ذَلِكَ. فَهَذَا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ مَعْنَى قَوْلِهِمَا: أَمَرَ اللَّهُ بِالْوَفَاءِ بِالنَّذْرِ. وَهَذِهِ حَالُ مَنْ يَجْعَلُ الْعُهُودَ وَالْعُقُودَ مُقْتَضِيَةً لِلْوَفَاءِ مُطْلَقًا مِنْ غَيْرِ اعْتِبَارٍ فِي الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ. وَهَذَا كَثِيرًا مَا يَعْرِضُ لِبَعْضِ أَهْلِ الْوَرَعِ كَمَا عَرَضَ لِابْنِ عُمَرَ حَتَّى إنَّهُمْ يَمْتَنِعُونَ عَنْ نَقْضِ كَثِيرٍ مِنْ الْعُهُودِ وَالْعُقُودِ الْمُخَالِفَةِ لِلشَّرِيعَةِ وَهُمْ يَتَوَرَّعُونَ أَيْضًا عَنْ مُخَالَفَةِ الشَّرِيعَةِ فَيَبْقَوْنَ فِي الْحَيْرَةِ وَأَمَّا ابْنُ عَبَّاسٍ فَعَنْهُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ رِوَايَتَانِ: " إحْدَاهُمَا " هَذَا. " وَالْأُخْرَى " عَلَيْهِ ذَبْحُ كَبْشٍ؛ وَهَذَا إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَنْ أَحْمَد وَقَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ وَغَيْرِهِ وَهَذَا هُوَ الَّذِي يُنَاسِبُ الشَّرِيعَةَ؛ دُونَ الِاحْتِجَاجِ بِقِصَّةِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ فَإِنَّ عَمَلَ أَهْلِ الْجَاهِلِيَّةِ لَا يُحْتَجُّ بِهِ أَصْلًا إلَّا إذَا أَقَرَّهُ الْإِسْلَامُ

الصفحة 344

Back to Main
Last Page
Next Page
Previous Page
First Page
Download as PDF
Show as text