رأي المتكلمين في صحابة النبي - صلى الله عليه وسلم -:
ذهب المتكلمون إلى تقديم منهجهم وطريقتهم على منهج وطريقة الصحابة ورأوا أن الصحابة لم يحيطوا بأمهات أصول الدين (1) ، وزعموا أن الصحابة انشغلوا بالجهاد في سبيل الله وإرساء قواعد هذا الدين وحمايته عن تعلم هذه المسائل الأصولية ودراستها.
يقول د. مصطفى حلمي: "لقد بحث المتكلمون ونقبوا في تاريخ الصحابة وأيامهم فلم يجدوا آثاراً تدل على خوض الصحابة فيها بنفس طريقتهم وتبويباتهم، فاستنتجوا أنهم لم يعرفوها كما تمادى المتكلمون بالطعن في الصحابة فزعموا أنهم كانوا مشغولين بالجهاد عن تناول أمهات أصول الدين!! وهذا خطأ جسيم وتفسير مقلوب إذ لا يمكن تفسير الانتصارات المذهلة للصحابة إلا في ضوء استجابتهم لعقيدة الإسلام وفهمها حق الفهم وتطبيقها عملياًً (2) - (3) ، فاجتذبوا غيرهم من الشعوب ذات الحضارة العريقة، فكان الصحابة في وضع الطلائع والصفوة الممتازة. ا. هـ. (4)
__________
(1) - ليس تقسيم الدين إلى فروع وأصول تقسيماً شرعياً، ويراد بالفروع الأحكام الفقهية، وبالأصول مسائل العقائد والتوحيد، فهذا تقسيم محدث، دأب عليه المتكلمون، ومن ثم جعلوا الكتاب والسنة للأحكام الفرعية الفقهية، والأدلة العقلية الكلامية لمسائل الأصول. ومن ثم قيل بالعذر بالجهل في الأحكام الفرعية وعدم العذر في مسائل الأصول ومنع التقليد فيها. والشرع لا يعرف التقسيم الاصطلاحي عند المتكلمين وغيرهم، ولكن جرى به العمل بين العلماء من المتأخرين.
ولابد أن ننتبه إلى أن التقسيم نوعان:
أ- تقسيم شرعي وهو الذي تبنى عليه أحكام كما قسم القرآن الذنوب إلى شرك وما دون ذلك في قوله تعالى) إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك) (النساء: 48) وقسم النبي - صلى الله عليه وسلم - الشرك إلى أصغر وأكبر بقوله: (أخوف ما أخاف عليكم الشرك الأصغر) - الرياء فإنكار هذا التقسيم ضلال، والتسوية بين أحكامه هو من فعل البدع.
ب- تقسيم اصطلاحي وهو الذي استحدثه العلماء والمتأخرون كتقسيم العلوم إلى فقه وتوحيد وتفسير، ولا شك أنه حادث لكن إن لم يبن عليه حكم وكان غرضه البيان لم يضر إذ لا مشاحة في الاصطلاح. أما إذا بني على التقسيم حكم - كأن يقال يعذر بالجهل في الفروع ولا يعذر في الأصول - أو يجب التقليد في العمل ويحرم في الاعتقاد ونحو ذلك فهذا هو البدعة المحدثة (وكتبه ياسر برهامي) .
(2) - وهذا هو الظن اللائق بهم، وعليه السنن الكونية فلا تمكين إلا لأهل الحق والإيمان بعد الصبر على البلاء والأخذ بالأسباب في نصرة الدين. قال تعالى: (وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض كما استخلف الذين من قبلهم وليمكنن لهم دينهم الذي ارتضى لهم وليبدلنهم من بعد خوفهم أمنا يعبدونني لا يشركون بي شيئاً) (النور: 55) .
(3) - الذي عليه أهل الحق أن الدين قد كمل قبل وفاته - صلى الله عليه وسلم - وأن الصحابة أخذوه منه تاماً، وطبقوه كاملاً، وبلغوه لمن بعدهم وافياً أما أهل البدع من المتكلمين فيرون أن الدين كمل وتم على أيديهم فهم الذين هدوا الناس إلى الصواب في مسائل أصول الدين!!!
(4) - قواعد المنهج السلفي للدكتور مصطفى حلمي حفظه الله بتصرف: ص3. ومنهج علماء الحديث في أصول الدين له ص33.