يقول د. مصطفى حلمي: "فإن الادعاء بأن الصحابة كانوا مشغولين بالجهاد كما يذكر بعض المتكلمين يحمل في طياته ذم الصحابة. ومؤداه أيضاً أن الرسول - صلى الله عليه وسلم - بلغ قرآناً لا يفهم معناه بل تكلم بأحاديث الصفات وهو لا يفهم معناها، وأن جبريل كذلك وأن الصحابة والتابعين كذلك. وهذا الموقف كما يذكر ابن تيمية ضلال عظيم".ا. هـ. (1)
وقد ذكر د. مصطفى حلمي بعض الأمثلة المروية عن الصحابة تدل على عمق فهمهم وإحاطتهم بأصول هذا الدين وعقائده، (2) وإن لم يتكلموا فيها بطريقة واصطلاحات الفلاسفة والمتكلمين، لأن هذه الاصطلاحات الكلامية لم تعرف في عهدهم ولم تثر كما أثيرت بعد ذلك على يد أهل البدع والأهواء من المتكلمين.
فمن أمثلة ذلك:
1- عن ابن عباس - رضي الله عنه - أنه كان مرة في جنازة، فلما وضع الميت في لحده قام رجل فقال: "اللهم رب القرآن اغفر له". فوثب ابن عباس إليه فقال: "القرآن منه"، وفي رواية: "القرآن كلام الله وليس بمربوب منه خرج وإليه يعود".
2- وعن أبي بكر - رضي الله عنه - أنه كان يقول: "أقول برأيي فإن كان صواباً فمن الله وإن كان خطأ فمني ومن الشيطان".
3- وعن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - أنه أُتي برجل قد سرق فسئل عن فعلته فاحتج بالقضاء والقدر على معصيته، فقال: "قضى الله علي". فأمر عمر بقطع يده وضربه أسواطاً. وقال: "القطع للسرقة والجلد لما كذب على الله".
4- وعن عثمان بن عفان - رضي الله عنه - أنه لما حاصره الثوار في بيته رموه قائلين: "الله يرميك"، فقال: "كذبتم لو رماني ما أخطأني".
__________
(1) - قواعد المنهج السلفي: ص181 وانظر شرح ابن تيمية لحديث النزول وتفسيره لسورة الإخلاص ومقدمة الفتوى الحموية الكبرى.
(2) - قواعد المنهج السلفي: ص42-45.
ولا شك أن النبي - صلى الله عليه وسلم - وضح لأصحابه حقائق الدين ولم يترك شيئاً إلا وبينه لهم سواء من الأمور الماضية كبدء الخلق أو الأمور الغيبية كالملائكة وأحوال الآخرة، وما كان الصحابة ليتأخروا عن تعلم أمور دينهم خاصة العقائدية.