كتاب ملامح رئيسية للمنهج السلفي

وقال تعالى: {رسلا مبشرين ومنذرين لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل} . فلو كانت الحجة تلزم بالعقل فقط لم يكن بعث الرسل شرطاً لاستحقاق العقوبة الأخروية.
3- أن منهج السلف مبني على الاتباع لا التقليد، وشتان ما بين الحالين: فالتقليد: أخذ قول الغير بلا حجة.
والاتباع: السير على منهاج الرسول - صلى الله عليه وسلم - ومتابعته بعد قيام الأدلة اليقينية على صدق نبوته، وهو المبلغ عن الله، والموحى إليه منه.
أما أهل الكلام فمعلوم عنهم أنهم لا يجتمعون على رأي واحد في مسألة، فهم دائمو الاختلاف، ينقض بعضهم أقوال بعض، ويطعن بعضهم في أقوال بعض، حتى أنه قد صرح أذكياؤهم أنهم لم يحصلوا غايتهم من علم الكلام بعد طول بحث وتنقيب.
4- أما العيب على أهل الحديث بعد القدرة على مجاراة المتكلمين ومجادلتهم، فلا يخفى أن القدرة على اللجاج والمجادلة والمماراة ليست من الأمور الممدوحة، خاصة أمام نصوص الكتاب والسنة، التي بينت لنا كل ما نحتاج إليه من أصول الدين وفروعه. وقد جاء الشرع بذم الجدل والمماراة.
ولو أراد الصحابة – ومن بعدهم أهل الحديث – الخوض في علم الكلام والجدل والمماراة لطلبوه وخاضوا فيه واشتغلوا به، ولكنهم قد استغنوا بما عندهم من الحق عنه.
وحوارات الرسل والأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم مع أقوامهم كما أوردها القرآن الكريم بعيدة كل البعد عن الجدل الفلسفي وأساليب علماء الكلام، وكذلك سنة النبي - صلى الله عليه وسلم -، ومعلوم من أخبار رسل النبي - صلى الله عليه وسلم - إلى هرقل والمقوقس وكسرى وغيرهم من الملوك والحكام كانت تقتصر على الدعوة إلى دين الله دون جدل فلسفي أو خوض فيه، فعلم بذلك أن الجدل والخوض فيه لا خير من ورائه.
5- أما الأمر القرآني بمجادلة أعداء الإسلام بالتي هي أحسن فليس المراد به المجادلة بعلم الكلام وطرق المتكلمين وأقوال الفلاسفة، وهذا الأمر القرآني أمر مجمل، وضحته وبينته سنة النبي - صلى الله عليه وسلم - وسيرته في حواراته مع المشركين من العرب واليهود من أهل الكتاب والنصارى كوفد نجران ومراسلاته - صلى الله عليه وسلم - للملوك

الصفحة 132