كتاب ملامح رئيسية للمنهج السلفي

والحكام، وكلها – كما هو معلوم – خالية من المجادلات الفلسفية والمناظرات الكلامية وإنما اقتصرت على بيان حقائق هذا الدين والدعوة إليه.
أما ادعاء وجوبه وأنه فرض كفاية فهو باطل من وجوه: (1)
1- منها أن الكتاب والسنة فيهما الغنى عن علم الكلام والفلسفة فلا لوم على من تمسك بهما وأعرض عما سواهما. فكيف يقال فيه أنه تارك لواجب.
وغاية ما يحصله المتكلمون موافقتهم للشرع في مواضع وصلوا إلى الحق فيها بطرقهم الكلامية وفي المقابل يخطئون في مواضع، ويختلفون في مواضع، وتتعدد أقوالهم، وتفترق عقائدهم، كما هو معلوم عنهم، فكيف يعد من تمسك بهدى القرآن والسنة مقصر، ومن خاض في مناهج المتكلمين موفق، وقد عرض نفسه للزلل.
أن الأنبياء والرسل – وهم أكمل الخلق وصفوته – لم يكونوا من حكماء الفلاسفة أو حذاق المتكلمين، ولا يعرف هذا من سيرتهم، ولم يدعو إليه. فكيف يقال عندئذ بوجوبه؟
قد علمت أن الشرع ذم الجدل والمماراة، وأن السلف الصالح عابوا عل المتكلمين وطعنوا فيهم، (2) فكيف يكون ذلك مع وجوبه على الأمة.
يقول ابن الصلاح رحمه الله: "المنطق مدخل الفلسفة، ومدخل الشر شر، وليس الاشتغال بتعليمه وتعلمه مما أباحه الشارع ولا استباحه أحد من الصحابة والتابعين والأئمة المجتهدين والسلف الصالحين وسائر من يقتدي به"ا. هـ. (3)
ولذلك اشتهر بين المتأخرين قولهم: "من تمنطق فقد تزندق".
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في كتابه (نقض المنطق) : "أما المنطق فمن قال: إنه فرض كفاية، وأن من ليس به خبرة فليس له ثقة بشيء من علومه: فهذا القول غاية في الفساد". (4)
__________
(1) - يراجع في ذلك: مقارنة بين الغزالي وابن تيمية: ص28-29 الرد على المنطقيين لابن تيمية: ص14-15، ص179، نقض المنطق: ص157.
(2) - وسنذكر طرفاً من ذلك بعد قليل إن شاء الله.
(3) - مقارنة بين الغزالي وابن تيمية: ص29 نقلا عن فتاوى ابن الصلاح ط. القاهرة ص43 1348هـ، مناهج البحث عند مفكري الإسلام للدكتور علي النشار ص142 ط. دار الفكر العربي القاهرة 1967م.
(4) - نقض المنطق لابن تيمية: ص155 – 156.

الصفحة 133