كتاب ملامح رئيسية للمنهج السلفي

"بل الواقع قديماً وحديثاً: أنك لا تجد من يلزم نفسه أن ينظر في علومه ويناظر به إلا وهو فاسد النظر والمناظرة، كثير العجز عن تحقيق علم وبيانه" (1)
"فأحسن ما يحمل عليه كلام المتكلم على هذا: أن يكون قد كان هو وأمثاله في غاية الجهل والضلالة، وقد فقدوا أسباب الهدى كلها، فلم يجدوا ما يردهم عن تلك الجهالات إلا بعض ما في المنطق من الأمور التي هي صحيحة، فإنه بسبب بعض ذلك رجع كثير من هؤلاء عن بعض باطلهم، وإن لم يحصل لهم حق ينفعهم، وإن وقعوا في باطل آخر.
ومع هذا فلا يصح نسبة وجوبه إلى شريعة الإسلام بوجه من الوجوه، إذ أن من هذه حاله فإنما أُتي من نفسه بترك ما أمر الله به من الحق، حتى احتاج إلى الباطل. ومن المعلوم أن القول بوجوبه قول غلاته وجهال أصحابه. ونفس الحذاق منهم لا يلتزمون قوانينه في كل علومهم بل يعرضون عنها إما لطولها وإما لعدم فائدتها وإما لفسادها، وإما لعدم تميزها وما فيها من الإجمال والاشتباه. فإن فيه مواضع كثيرة هي لحم جمل غث على رأس جبل وعر، لا سهل فيرتقى ولا سمين فينتقل.
ولهذا ما زال علماء المسلمين وأئمة الدين يذمونه ويذمون أهله وينهون عنه وعن أهله، حتى رأيت للمتأخرين فتيا فيها خطوط جماعة من أعيان زمانهم من أئمة الشافعية والحنفية وغيرهم فيها كلام عظيم في تحريمه وعقوبة أهله. حتى إن من الحكايات المشهورة التي بلغتنا: أن الشيخ أبا عمرو بن الصلاح أمر بانتزاع مدرسة معروفة من أبي الحسن الآمدي، وقال: أخذها منه أفضل من أخذ عكا (*) . مع أن الآمدي لم يكن أحد في وقته أكثر تبحراً في العلوم الكلامية والفلسفة منه، وكان من أحسنهم إسلاماً وأمثلتهم اعتقاداً". (1) "
ومن المعلوم أن الأمور الدقيقة سواءاً كانت حقاً أو باطلاً، إيماناً أو كفراً، لا تعلم إلا بذكاء وفطنة. فكذلك أهله - أي أهل المنطق- قد يستجهلون من لم يشركهم في علمهم وإن كان إيمانه أحسن من إيمانهم إذا كان فيه قصور في الذكاء والبيان".ا. هـ. بتصرف. (1)
ويقول أيضاً رحمه الله: (2) "وأيضا فالقرآن ليس فيه أنه قال ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة والجدل، بل قال تعالى: {ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة
__________
(1) - نقض المنطق لابن تيمية: ص155 – 156.
(*) - كانت عكا وقتها في أيدي الإفرنج الصليبين
(2) - مقارنة بين الغزالي وابن تيمية: ص36 – 38 نقلاً عن ابن تيمية في الرد على المنطقيين: ص467 – 469، ص444 – 447.

الصفحة 134