ومسلماً وأحاديثهما إلا بالسماع كما يذكر ذلك العامة، ولا يميزون بين الحديث الصحيح المتواتر عند أهل العلم بالحديث، وبين الحديث المفترى المكذوب، وكتبهم أصدق شاهد بذلك ففيها عجائب. وتجد عامة هؤلاء الخارجين عن منهاج السلف من المتكلمة والمتصوفة يعترف بذلك إما عند الموت وإما فبل الموت والحكايات في هذا كثيرة معروفة". (1)
وأشهر مثال لذلك الإمام أبو الحسن الأشعري الذي عاش على الاعتزال أربعين عاماً ثم رجع عن ذلك إلى مذهب أهل الحديث وصنف كتابه (الإبانة) ، وكذلك الحديث وألف (إلجام العوام عن علم الكلام) .
وكذلك عبارات الرازي في كتابه (أقسام اللذات) وفيها رجوعه عن الطرق الكلامية والمناهج الفلسفية وقد ظهر له أنها لا تجدي.
"ثم إن من عجيب الأمر: أن هؤلاء المتكلمين المدعين لحقائق الأمور العلمية والدينية، والمخالفين للسنة والجماعة يحتج كل منهم بما يقع له من حديث موضوع، أو مجمل لا يفهم معناه، وكلما وجد أثراً فيه إجمال نزله على رأيه". (2)
وبالجملة فـ (هم أبعد عن معرفة الحديث، وأبعد عن اتباعه من هؤلاء، هذا أمر محسوس، بل إذا كشفت أحوالهم وجدتهم من أجهل الناس بأقواله - صلى الله عليه وسلم - وأحواله وبواطن أموره وظواهرها، حتى لتجد كثيراً من العامة أعلم بذلك منهم، ولتجدهم لا يميزون بين ما قاله الرسول وما لم يقله بل لا يفرقون بين حديث متواتر عنه، وحديث مكذوب موضوع عليه، وإنما يعتمدون في موافقته على ما يوافق قولهم سواء كان موضوعا أو غير موضوع، فيعدلون إلى أحاديث يعلم خاصة الرسول بالضرورة اليقينية أنها مكذوبة عليه عن أحاديث يعلم خاصته بالضرورة اليقينية أنها قوله، وهم لا يعلمون مراده". (3)
___________
(1) - المصدر السابق: ص60.
(2) - المصدر السابق: ص69.
(3) - المصدر السابق: ص81 – 82