كتاب ملامح رئيسية للمنهج السلفي

بين العلمانية والسلفية

العلوم التي تكون عقل الإنسان قسمان:
1- علوم بديهية (أو فطرية أو غريزية) : وهي علوم تتميز بالصحة المطلقة، وهي عامة لدى كل الناس وإن تفاوتت في وضوحها بينهم.
2- علوم مكتسبة: تتضمن المعارف المختلفة والقوانين الناتجة من الاستقراء.
وهذه العلوم يختلف الناس في اكتسابها والتيقن منها اختلافاً كبيراً. لذا فهي معارف جزئية، وهي نسبية، تحقق بعض منها، فصارت عنده يقيناً خاصاً به، ولم ير غيرها ثبوت تيقنها.
ومن الملاحظ هنا:
أن العلوم المكتسبة مأخوذة ومبنية على العلوم البديهية، وعليه فهي علوم مبنية على أسس ثابتة صحيحة، (1) وولكن الواقع على خلاف ذلك، فهي تختلف وتتفاوت، فمنها ما يراه البعض صحيحاً ويرده آخرون، ويأخذ به البعض ويرفضه آخرون، وبالتالي لا تجتمع على العلوم المكتسبة كل عقول الناس. (2)
ويعني هذا أنه ليس في لعقل شيء ثابت، بل هو قابل للتغير وفق أنساق فكرية جديدة، فالعقل ليس قائمة متحجرة من المبادئ والتصورات تم إعطاؤها من قبل وبصفة نهائية كاملة، بل هو ظاهرة كباقي الظواهر الأخرى يصيبه ما يصيبها من تبدل وتحول وينطبق عليه ما ينطبق عليها من تاريخية وجدل. (3)
إن تقسيم المعقولات إلى ضرورية وكسبية يمكن ضبطه نظرياً، ولكن في المجال العملي التطبيقي تتداخل هذه المعقولات فيما بينها، فتستولي فكرة معينة على عقل شخص وتترسخ عنده، فيعدها من المبادئ العقلية الأولية الضرورية، بل يتصور منكرها لمبدأ أولي!! فالعقل مجموعة أفكار يحملها شخص ويتعامل على ضوئها.
__________
(1) - وبناءأً على ذلك يرى أصحاب المذاهب العقلانية أن العقل بعلومه الفطرية والمكتسبة قادر على إيجاد منهج عقلي يوحد بين الناس جميعاً.
(2) - ولهذا لم ينجح المنهج العقلي في جمع شمل الناس جميعاً بل اختلف أصحاب المنهج العقلي إلى فرق متعددة ومذاهب متضاربة يعادي بعضها بعضاً ويسفه بعضها بعضاً.
(3) - السلفية وقضايا العصر: ص165 نقلا عن العقلانية المعاصرة لسالم يفوت ص69.

الصفحة 146