كتاب ملامح رئيسية للمنهج السلفي

العقلية التغريبية في مواجهة الدين
يعمد المتأثرون بالتغريب، والآخذون بالعلمانية، إلى الدعوة إلى تحرير الرؤية العقلية من أي وصاية دينية، بزعم أن قيام العقلانية مرهون بتحطيم المرجعية الدينية والنص الديني، وهذه النظرية مبناها على محاولة إعادة تطبيق ما وقع في أوروبا مع مواجهة النصرانية المحرفة وإقصاء هيمنتها والقضاء على دورها في تسيير دفة الحياة والمساهمة في صياغة أحداثها.
إن العقلانية الأوروبية قد انتهت إلى إحلال العقل محل الدين، وهذا دأب أوروبا في أكثر تاريخها الطويل. فالعقلانية اليونانية القديمة من قرون ما قبل الميلاد لم تكن تعرف الإيمان بدين، ولم تخضع لوحي سماوي، إنما عرفت الخضوع للعقل، والعقل وحده. ولما اعتنقت أوروبا الديانة النصرانية وحرفت نصوصها، عانت في تطورها العلمي الحديث صراعا مع الدين، وحسمت أمرها بإحلال العقل محل الدين ورفض النظرة التقديسية للنصوص القائمة على إيمان يقيني بأنها وحي من عند الله.
لقد عانى الفكر الغربي في سبيل زحزحة النظرة التقديسية للنص الديني والتحرر من قبضة تعاليم النصرانية، وقد ساعدت عوامل عديدة هذا الفكر العلماني في التخلص من سيطرة الكنيسة، منها: الاضطهاد الشديد الذي مارسته الكنيسة ضد العلم والعلماء، ومنها: ما أثير كثيراً حول صحة إلهية الكتب النصرانية المقدسة، خاصة مع مخالفة المعارف الدينية المأخوذة عن الكنيسة عن الكون والإنسان لما كشفه العلم التجريبي الحديث. وكان لابد أن تتنحى الكنيسة المحرفة للدين، ولكن في غياب اهتداء أوروبا إلى الوحي الصحيح والدين الإسلامي القويم، صارت للعقل المكانة البارزة في قيادة الحضارة الأوروبية الحديثة.
وعندما سعى المتأثرون بالتغريب والمنادون بالعلمانية (1) إلى جعل العقل الأصل الذي يرجع إليه دون سواه في إعادة بناء الأمة، كان لزاماً التصدي لقضية الدين
__________
(1) العلمانية: هي ترجمة Secularism وتعني اللادينية أو الدنيوية. وهي دعوة إلى إقامة الحياة على غير الدين وتعني في جانبها السياسي اللادينية في الحكم. راجع في ذلك جذور العلمانية للدكتور السيد فرج أحمد.

الصفحة 148