كتاب ملامح رئيسية للمنهج السلفي

الموقف السلفي من العقلانية (1) :
تقدم السلفية هدى الرسول - صلى الله عليه وسلم - وهدى الصحابة - رضي الله عنهم - علماً وعملاً ما سواهما، ولا يعني ذلك رفض العقل أو إلغاء دوره. ولقد ذكرنا أن العلوم العقلية على ضربين: علوم ضرورية أو بديهية هي الأصل. وعلوم مكتسبة مبنية - أو هكذا يجب أن تكون - على العلوم الضرورية. وذكرنا أن العلوم الضرورية لا اختلاف بين الناس فيها وإن اختلف الناس في درجة وضوح هذه العلوم بينهم.
وذكرنا أن العلوم المكتسبة قد يختلف الناس فيها بحسب قدراتهم العقلية ومعارفهم ومستوياتهم العلمية، ومن ثم تقع بينهم المخاصمات والمنازعات في إثبات أشياء من هذه العلوم. وعند النزاع يحاول كل فريق إثبات صحة قوله ببيان موافقة تلك النظرة أو هذا الرأي الذي يتبناه للعلوم الضرورية الأساسية، أو إثبات بطلان نظرة أو رأي المخالفين له للعلوم البديهية.
وهذا كله مبني على تحكيم العقل ومعاييره الأولية. فما هو موقف السلفية من ذلك؟
السلفية كمنهج لا ترفض ذلك، إذ لا مخالفة في ذلك الفهم للشرع، ووظيفة العقل في القرآن.
ولكن كما بينا: أن هذا التحكيم للعقل لم يحول بين البشرية وبين النزاعات والخلافات والمخاصمات، بل وتقلب العلوم المكتسبة وتغيرها في إطار التقدم العلمي والتطور الحضاري.
وفوق ذلك فهناك أمور لا يقدر العقل بمقاييسه المحدودة أن يحيط بها علماً في الكون والحياة، وهذا ما يؤكده التطور العلمي عصراً بعد عصر.
__________
(1) - العقلانية: وصف منسوب إلى العقل، فأصل الكلمة: العقل مع إضافة الألف والنون للمبالغة، ثم ياء النسب، فتاء التأنيث. أي أن: العقلانية = العقل+ألف ونون (للمبالغة) + ياء النسب + تاء التأنيث. والعقل لغة: المنع والحجر والتقييد. فيقال: عقل البعير بالعقال، إذا ربطه ليمنعه من التفلت، فلا يغادر المكان الذي جعله له صاحبه. وعقل الإنسان الذي يتلقى به المعارف، يمنعه كذلك من الوقوع فيما يهلكه أو يفسده أو يشينه.

الصفحة 150