وأهم من ذلك الأمور الاعتقادية والغيبية التي هي فوق مستوى العقل وإدراكه فيما يتعلق بالحياة البشرية فيما مضى، وما سيكون إليه مآلها فيما يستقبل في الآخرة وهي علوم لا طمأنينة للنفس وسكينة إلا بالتصور المرضي لها.
وهذا هو دور الوحي المتمثل في الكتاب والسنة. وهذا هو الإيمان بالرسل والأنبياء والكتب المنزلة ودورها في هداية البشرية وإرشادها، وتعليمها العلم الذي لا غنى لها عنه.
وحينما يؤمن المرء بالوحي والنبوة، ويتلقى منهما، يصبح لديه مصدران للعلم:
العقل الذي جعله الله أداة للمعرفة والاستنباط.
الوحي المنزل الذي جعله الله نوراً للهداية والمعرفة.
وكلاهما من عند الله، يأخذان الإنسان إلى غاية واحدة وهدف واحد، لا يتصور – ولا ينبغي – أن يكون هناك تعارضاً بينهما ولا يجوز أن يختلف نص ثابت من الكتاب أو السنة مع قياس عقلي صحيح.
ولا يجوز أن يخالف دليل نقلي صحيح أي دليل عقلي صحيح.
"لم تكن مشكلة العقل والنقل - أو الوحي والمعرفة الإنسانية - موجودة لدى السلف الأولين. ذلك أن العقل المؤمن كان حاسماً في موقفه المنهجي المبني على منطق العقل السليم: الوحي من علم الله الذي يمثل الحق المطلق في كل ما قدمه من قضايا، ومن ثم: فإن أي تشكيك في قضية من قضاياه ينقض ذلك الإيمان، أي أن هذا التشكيك يعني موقفاً غير عقلي.
العقل مصدر للمعرفة، وهو الوسيلة التي كلفنا الله على أساسها وأمرنا أن ننظر في أمر الرسالة، ومن ثم الوحي من خلالها: {قل إنما أعظكم بواحدة أن تقوموا لله مثنى وفرادى ثم تتفكروا ما بصاحبكم من جنة} (سبأ: 46) لكن هذا العقل جزء من الإنسان المخلوق المحدود، ومن ثم فإن المعرفة الناتجة عنه تبقى دون العلم الذي يقدمه الوحي. إنه علم الإنسان أمام علم الله. وهي معادلة واضحة وعقلية.
لكن ذلك لم يكن يعني لدى أولئك السلف، أنه ينبغي أن يضمر العقل وأن تبطل وظيفته الإبداعية ما دام الوحي موجوداً، لم ينظروا إلى إيمانهم بالوحي وحقائقه المطلقة على أنه استغناء عن العقل، ومن ثم عزل له. كلا إن العكس هو الصحيح، إن انطلاق العقل – لدى هؤلاء – وإبداعه وفتوحاته في المجالات