والغالب أن ما يظنه البعض أو يتصوره تعارض بين العقل والشرع هو في الحقيقة تصور في الذهن البشري القاصر نتيجة أفكار إما بسبب فهم خاطئ للنصوص أو بسبب علم مكتسب غير قطعي، يتصوره صاحبه من الحقائق العلمية اليقينية وليس الأمر كذلك. (1)
والإيمان المبني على التسليم للوحي جعل الموقف السلفي يقوم على أساس دخول العقل تحت الوحي، بمعنى أن الوحي هو الموجه وله السيادة والعقل تابع يمارس عمله ووظيفته في ظل توجيهات الوحي وإرشاداته وبهذه التبعية من العقل للوحي يستقيم الأمر بل ويوصف إنتاج العقل بأنه شرعي أو موافق للشرع.
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: "ثم الشرعي قد يكون سمعياً وقد يكون عقلياً، فإن كون الدليل شرعياً يراد به كون الشرع أثبته ودل عليه، ويراد به كون الشرع أباحه وأذن فيه، فإن أريد بالشرعي ما أثبته الشرع، فإما أن يكون معلوماً بالعقل أيضاً، ويكون الشرع نبه عليه ودل عليه فيكون شرعياً وعقلياً – كأدلة التوحيد والمعاد ونحوها. وإما أن يكون الدليل الشرعي لا يعلم إلا بمجرد خبر الصادق فإنه إذا أخبر بما لا يعلم إلا بخبره كان ذلك شرعياً سمعياً. وأما إذا أريد بالشرعي ما أباحه الشرع وأذن فيه، فيدخل في ذلك ما أخبر به الصادق، وما دل عليه القرآن وما دلت عليه وشهدت به الموجودات". (2) "درء تعارض العقل والنقل جـ1/190".
وبالجملة:
فإن التعارض بين الوحي والعقل افتراض خاطئ لأن الإيمان بأن العقل البشري خاضع للوحي وتابع له ينفي هذا الافتراض، ورفض العمل بالوحي والخضوع له لا يسمى عقلاً أو منهجاً عقلياً، ولكنه في مسمى الشرع هوى وضلال.
إن الوحي يخاطب العقل ويبين له المنهج الصحيح للنظر في شؤون الحياة كلها، وهو في بيانه وإرشاده وتوجيهه للعقل لا يكبت العقل، بل على العكس من ذلك، يفتح له آفاقاً واسعة ومجالات رحبة للإحاطة والإدراك قد يعجز العقل بمفرده على الإلمام بها كاملة في كل عصر وزمان.
__________
(1) - راجع بيان منهج ابن تيمية في ذلك: السلفية وقضايا العصر ص199 – 203.
(2) - السلفية وقضايا العصر ص206 نقلاً عن ابن تيمية في كتابه درء تعارض العقل والنقل.