والعقل البشري حين يتحرك في إطار الوحي لا يتحرك في مجال ضيق إنما يتحرك في مجال واسع جداً، يتحرك في مجال هو هذا الوجود كله الذي يحتوي عالم الشهادة وعالم الغيب أيضاً، كما يحتوي أغوار النفس ومجالات الأحداث ومجالات الحياة جميعاً. (1)
فإن قيل: إن أوروبا لم تعرف التقدم العلمي الحاضر إلا بعد أن أقصت الدين وتعاليمه عن الحياة، فتخلصت من جمود النصرانية وسيطرة الكنيسة، وجعلت العلم وحده قائدها إلى المدنية المعاصرة. وعليه فواجبنا أن نقصي الدين الإسلامي بتعاليمه وأحكامه، ونطلق العنان للعلم – والعلم وحده – ليقودنا إلى الحضارة المتقدمة التي نتطلع إليها.
والجواب:
أن هذا القصور للتقدم الأوروبي ينطوي على خطأ يحتاج لتوضيح، فشتان بين ما كان في أوروبا وبين ما ينبغي أن تكون عليه كما ينبغي أن نصحح أيضاً نظرتنا إلى الحضارة الأوروبية الحديثة لنميز بين جوانبها الإيجابية التي يجب أن نسعى لمثلها وجوانبها السلبية التي يجب أن نتجنبها.
فأوروبا عندما ثارت على الدين، فإنما ثارت على الكنيسة التي حرفت وبدلت وغيرت، حتى صارت تعاليم النصرانية المحرفة عائقاً أمام العلم والعلماء، وكما ذكرنا فإن العلم الصحيح لا يعارض الوحي، ولكن إن وقع التحريف والتبديل والتغيير للوحي وقع التعارض مع العلم، وهذا ما كان في أوروبا.
إن مصادمة النصرانية المحرفة – متمثلة في رجال الدين النصراني – للعلم الدنيوي وعلمائه، (2) لهو دليل واضح على صدق ما أخبر به القرآن الكريم من وقوع التحريف في الدين النصراني، ومن ثم انحراف الكنيسة ورجالها ثم اضطهادهم للعلماء الدنيويين ومصادرتهم لاكتشافاتهم العلمية الجديدة.
__________
(1) - السلفية وقضايا العصر: ص206 – 207 نقلاً عن سيد قطب في ظلال القرآن جـ2/1099.
(2) - قلت: جرت عادة الكثير بإطلاق لفظ العلم والعلماء على المكتشفين والمخترعين في مجالات الطب والفلك والكيمياء والفيزياء ونحوها من علوم الدنيا، والذي أرشدنا إليه القرآن أن كل من لم يؤمن بالله فليس بعالم بل هو جاهل لا يعلم {ذلك بأنهم قوم لا يعلمون} {ولكنكم كنتم لا تعلمون} ولذا فيجب أن يقيد إطلاق هذه الكلمة العظيمة كما قال تعالى: {ولكن أكثر الناس لا يعلمون () يعلمون ظاهراً من الحياة الدنيا وهم عن الآخرة هم غافلون} . وكتبه (ياسر برهامي) .