كتاب المحكم والمحيط الأعظم (اسم الجزء: 4)

الْكَلِمَة أَلا ترى انك لَا تَجِد لهَذِهِ الْمُشَدّدَة الْمِيم تَصرفا إِنَّمَا التَّصَرُّف كُله على " ف وه "، من ذَلِك قَول الله عز وَجل: (يَقُولُونَ بِأفْواهِهِمْ مَا لَيْسَ فِي قُلوبِهِمْ) وَقَالَ الشَّاعِر:
فَلا لَغْوٌ وَلَا تَأْثِيمَ فِيهَا ... ومَا فَاهُوا بِهِ أَبَداً مُقِيمُ
وَقَالُوا: رجل مُفَوَّهٌ، إِذا أَجَاد القَوْل، وَمِنْه الأفْوَهُ: للواسع الْفَم، وَلم نسمعهم قَالُوا: أفمامٌ، وَلَا تَفَمَّمْتُ، وَلَا رجل أفَمُّ، وَلَا شَيْئا من هَذَا النَّحْو لم نذكرهُ، فَدلَّ اجْتِمَاعهم على تصرف الْكَلِمَة بِالْفَاءِ وَالْوَاو وَالْهَاء على أَن التَّشْدِيد فِي فَم لَا أصل لَهُ فِي نفس الْمِثَال، إِنَّمَا هُوَ عَارض لحق الْكَلِمَة، فَإِن قَالَ قَائِل: فَإِذا ثَبت بِمَا ذكرته أَن التَّشْدِيد فِي فَم عَارض لَيْسَ من نفس الْكَلِمَة، فَمن أَيْن أَتَى هَذَا التَّشْدِيد؟ وَكَيف وَجه دُخُوله إِيَّاهَا؟ فَالْجَوَاب أَن أصل ذَلِك انهم ثقَّلوا الْمِيم فِي الْوَقْف فَقَالُوا فَمّْ، كَمَا يَقُولُونَ: هَذَا خَالِد وَهُوَ يَجْعَل، ثمَّ إِنَّهُم أجروا الْوَصْل مجْرى الْوَقْف، فَقَالُوا: هَذَا فَمٌّ، وَرَأَيْت فمًّا، كَمَا أجروا الْوَصْل مجْرى الْوَقْف فِيمَا حَكَاهُ سِيبَوَيْهٍ عَنْهُم من قَوْلهم:
ضَخْمٌ يُحِبُّ الخُلُقَ الأضْخَمَّا
وَقَوْلهمْ:
بِبازِلٍ وَجْناءَ أوْ عَيْهَلِّ
كأنَّ مَهْواها عَلى الكَلْكَلِّ
مَوقِعُ كَفَّيْ رَاهِبٍ يُصَلِّيِ
يُرِيد " العَيْهَلَ " و" الكَلْكَلَ " قَالَ ابْن جني: فَهَذَا حكم تَشْدِيد الْمِيم عِنْدِي، وَهُوَ أقوى من أَن تجْعَل الْكَلِمَة من ذَوَات التَّضْعِيف بِمَنْزِلَة هَمٍّ وحَمٍّ، قَالَ: فَإِن قلت: فَإِذا كَانَ أصل فَم عنْدك فوه، فَمَا تَقول فِي قَول الفرزدق:
هُما نَفَثا فِي فِيِّ مِنْ فمَوَيْهِما ... على النَّابِحِ العاوِي أشَدَّ رِجامِ
وَإِذا كَانَت الْمِيم بَدَلا من الْوَاو الَّتِي هِيَ عين فَكيف جَازَ لَهُ الْجمع بَينهمَا؟ فَالْجَوَاب أَن أَبَا

الصفحة 433

Back to Main
Last Page
Next Page
Previous Page
First Page
Download as PDF
Show as text