كتاب نضرة النعيم في مكارم أخلاق الرسول الكريم (اسم الجزء: 1)

يَنْقَلِبَ الرَّسُولُ وَالْمُؤْمِنُونَ إِلى أَهْلِيهِمْ أَبَداً وَزُيِّنَ ذلِكَ فِي قُلُوبِكُمْ وَظَنَنْتُمْ ظَنَّ السَّوْءِ وَكُنْتُمْ قَوْماً بُوراً «1» .
وهكذا فقد خرج النبي صلّى الله عليه وسلّم بأصحابه من المهاجرين والأنصار وبلغ عددهم ألفا وأربعمائة رجل «2» ، حملوا معهم سلاحهم توقعا لشر قريش «3» . وكانوا مستعدين للقتال «4» .
صلى النبي صلّى الله عليه وسلّم والمسلمون بذي الحليفة، وأهلّوا معه محرمين بالعمرة «5» ، وساقوا الهدي معهم سبعين بدنة «6» ، وبعث النبي صلّى الله عليه وسلّم بالصحابي بسر بن سفيان الخزاعي عينا إلى مكة ليأتيه بأخبار قريش وردود فعلها «7» .
وأرسل النبي صلّى الله عليه وسلّم بعد وصوله الروحاء سريّة جعل عليها أبا قتادة الأنصاري- ولم يكن محرما بالعمرة- في جمع من الصحابة إلى ساحل البحر الأحمر بعد أن علم بوجود تجمع للمشركين في «غيقة» ، وخشية أن يباغتوا المسلمين، فلم يلقوا كيدا ويظهر أنهم أخذوا طريق الساحل لتأمينه، إذ لم يلتحقوا بركب النبي صلّى الله عليه وسلّم إلّا في «السقيا» «8» .
وحين وصل المسلمون عسفان «9» جاءهم بسر بن سفيان الخزاعي بأخبار استعدادات قريش وتجميعها الجموع لصد المسلمين عن دخول مكة، وإرسالها طلائع من الفرسان إلى «كراع الغميم» «10» . وحين استشار الرسول صلّى الله عليه وسلّم أصحابه في الأمر «11» ، أشار عليه أبو بكر الصديق بالتوجه إلى مكة لأداء العمرة والطواف بالبيت وقال: «فمن صدنا عنه قاتلناه» «12» ، فقال النبي صلّى الله عليه وسلّم: «امضوا على اسم الله» «13» . وقد صلّى النبي صلّى الله عليه وسلّم بأصحابه في عسفان صلاة الخوف «14» ، ثم سلك بهم طريقا وعرة عبر ثنية المرار إلى الحديبية متجنبا الاصطدام بخيالة قريش
__________
(1) القرآن الكريم- سورة الفتح، الايات/ 11- 12، وذكر مجاهد بأن المراد بالآية أعراب المدينة: مزينة، وجهينة، الطبري- تفسير 26/ 77، بإسناد حسن إلى مجاهد، غير أنه مرسل.
(2) البخاري- الصحيح (فتح الباري- حديث 3576، 4151، 4154) ، مسلم- الصحيح، كتاب الإمارة ص 73، 75، يحيى بن معين- التاريخ 1/ 321، البيهقي- دلائل النبوة 2/ 214.
(3) البخاري- الصحيح (فتح الباري- حديث 4179) .
(4) وانفرد الواقدي بالقول بأنهم لم يكونوا يحملون السلاح، المغازي 2/ 573.
(5) البخاري- الصحيح (فتح الباري- حديث 1694- 1965) وهذا يدل على أن ميقات ذي الحليفة كان قد جرى تحديده قبل غزوة الحديبية.
(6) أحمد- المسند 4/ 323، ابن هشام- السيرة 3/ 308.
(7) البخاري- الصحيح (فتح الباري- حديث 4179) ، أحمد- المسند 4/ 323، ابن هشام- السيرة 3/ 308.
(8) البخاري- الصحيح (فتح الباري- الأحاديث 1821- 1824) ، والسقيا موضع يبعد 180 كيلا من المدينة في الطريق إلى مكة.
(9) موضع على طريق المدينة- مكة، يبعد 80 كيلا عن مكة.
(10) واد بين عسفان ومكة قريب إلى عسفان، يبعد عنها 16 كيلا عن مكة، انظر: البلادي- معجم المعالم الجغرافية في السيرة، ص/ 264.
(11) البخاري- الصحيح (فتح الباري، الأحاديث 4178- 4179) ، أحمد- المسند 4/ 323.
(12) البخاري- الصحيح (فتح الباري- حديث 4179) .
(13) البخاري- الصحيح (فتح الباري- حديث 4179) ، أبو داود- السنن 2/ 28 (حديث 1236) ، النسائي- السنن (حديث 1550- 1551) ، ابن كثير- التفسير 1/ 548.
(14) مسلم- الصحيح 4/ 2144 (حديث 2780) ، البيهقي- السنن الكبرى 3/ 257، ابن كثير- التفسير 1/ 548، وهذا على رأي من أخر غزوة ذات الرقاع إلى ما بعد فتح خيبر، وهو الصحيح، وخلافا لما ذكره ابن إسحاق وابن هشام والواقدي (السيرة 3/ 203، المغازي 1/ 396) .

الصفحة 335