كتاب نضرة النعيم في مكارم أخلاق الرسول الكريم (اسم الجزء: 1)
بسرف فأقام بها إلى أن تتامّ الناس، ثم انصرف بهم إلى المدينة «1» ، وقد نزل في عمرة القضاء هذه قوله تعالى: لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيا بِالْحَقِّ لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرامَ إِنْ شاءَ اللَّهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُؤُسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ لا تَخافُونَ فَعَلِمَ ما لَمْ تَعْلَمُوا فَجَعَلَ مِنْ دُونِ ذلِكَ فَتْحاً قَرِيباً «2» .
وقد اتضحت في عمرة القضاء هذه جملة أحكام منها حكم من نوى العمرة وأهل بها وصد عن الوصول إلى البيت العتيق، ومنها ما يتعلق بأحكام الرضاعة كما في قصة عمارة بن حمزة بن عبد المطلب، ومنها تقديم الخالة في الحضانة على سائر الأقارب بعد الوالدين «3» .
السرايا والأحداث بين عمرة القضاء وغزوة فتح مكة:
بعث النبي صلّى الله عليه وسلّم بعد عودته من عمرة القضاء سرية من خمسين فارسا إلى بني سليم جعل عليها ابن أبي العرجاء السلمي، فلما فصلوا من المدينة، خرج عين لبني سليم كان معهم إلى قومه فحذرهم، فجمّعوا واستعدوا للقتال؛ وحين وصلت السرية، ودعوا إلى الإسلام رفضوا واستكبروا وأحدقوا بالسرية فقتلوا عامة من فيها وأصيب ابن أبي العرجاء وسقط بين القتلى ثم تحامل ومن عاد إليه من بقايا سريته حتى بلغوا المدينة في شهر صفر سنة 8 هـ «4» .
وفي الأول من شهر صفر من السنة الثامنة للهجرة خرج عمرو بن العاص عامدا إلى الرسول صلّى الله عليه وسلّم ليسلم، فلقيه خالد بن الوليد وهو في الطريق إلى المدينة، يريد ما يريد عمرو، فقدما سويا على الرسول صلّى الله عليه وسلّم وبايعاه على الإسلام «5» .
وفي صفر من السنة الثامنة للهجرة، بعث النبي صلّى الله عليه وسلّم سرية من بضعة عشر رجلا جعل عليهم غالب بن عبد الله، وجههم إلى بني الملوّح وهم بالكديد «6» ، وقد كمنت السرية بعد وصولها الموضع وفي السحر شنّوا الغارة
__________
(1) البخاري- الصحيح، فتح الباري 7/ 499 (حديث 4251) ، وكان ذلك في ذي الحجة انظر: ابن سعد- الطبقات 2/ 122، ابن هشام- السيرة 4/ 22- 23. في سرف تزوج صلّى الله عليه وسلّم بأم المؤمنين ميمونة بنت الحارث العامرية: البخاري- الصحيح (فتح الباري، حديث 4259) ، ابن القيم- زاد المعاد (3/ 372- 4) ، أبو داود- السنن 2/ 425، البيهقي- دلائل (4/ 332- 6) ، مسلم- الصحيح (2/ 1032 حديث 1411) .
(2) القرآن الكريم- سورة الفتح، الآية/ 27.
(3) البخاري- الصحيح (فتح الباري 7/ 505- حديث 4251) ، أبو داود- السنن، 2/ 709- 710، كتاب الطلاق (حديث 2278) ، ابن القيم- زاد المعاد 3/ 375- 376.
(4) الواقدي- مغازي 2/ 741 بإسناده إلى الزهري، ابن سعد- الطبقات 2/ 123 معلقا، البيهقي- دلائل 4/ 341 من مراسيل موسى بن عقبة عن الزهري.
(5) أورد الإمام أحمد قصة إسلام عمرو بن العاص في الفتح الرباني 21/ 133- 136 من رواية ابن إسحاق بإسناد حسن، وكذلك فعل ابن هشام في السيرة (3/ 384- 86) برواية ابن إسحاق أيضا وبإسناد حسن كما فعل الإمام أحمد وأورده الواقدي في مغازيه (2/ 741/ 50) بتفاصيل أكثر، وفيه قصة إسلام خالد بن الوليد أيضا. وانظر في ذلك ابن سعد- الطبقات 4/ 252.
(6) موضع يقع بين عسفان والكديد.