كتاب نضرة النعيم في مكارم أخلاق الرسول الكريم (اسم الجزء: 1)

الجيش الإسلامي اثنى عشر ألف مقاتل، وهو أكبر جيش للمسلمين يخرج للقتال في حياة النبي صلّى الله عليه وسلّم حتى هذه الغزوة «1» ، وكان النبي صلّى الله عليه وسلّم حريصا على تأمين قواته لذلك فقد اهتم بحراسة الجيش ومراقبة تحركات العدو «2» .
ولقد كان لوجود «الطلقاء» من أبناء مكة الذين كانوا حديثي عهد بالإسلام آثاره السلبية فقد رأى بعضهم أثناء تقدم الجيش الإسلامي نحو حنين شجرة تعرف بذات أنواط يعلق عليها المشركون أسلحتهم فطالبوا النبي صلّى الله عليه وسلّم أن يجعل لهم مثلها، فانتهرهم النبي صلّى الله عليه وسلّم قائلا: «سبحان الله، كما قال قوم موسى: اجْعَلْ لَنا إِلهاً كَما لَهُمْ آلِهَةٌ «3» ، والّذي نفسي بيده لتركبنّ سنن من قبلكم» «4» .
ومن تلك الآثار السلبية، ما أصاب بعض المسلمين من غرور وإعجاب بكثرتهم، فقال أحدهم: «لن نغلب من قلة» ، وقد أصاب هذا الشعور آخرين منهم مما استحقوا معاقبة الله لهم فأذاقهم مرارة الهزيمة في المواجهة الأولى في حنين، وعاقبهم وبيّن لهم أن النصر هو من عند الله، وبأن شعورهم بالزهو لكثرتهم كان سببا في ذلك الدرس القاسي، ولقد انتبه النبي صلّى الله عليه وسلّم إلى ذلك الانحراف، فأكد لهم أن النصر من عند الله، وأنه يفتقر لربه ويدعوه وحده فقال صلّى الله عليه وسلّم: «اللهمّ بك أحول، وبك أجول، وبك أقاتل» ، كما قص على أصحابه قصة النبي الذي أعجب بكثر أمته فابتلاهم الله بالموت، فكان إدبارهم في المواجهة الأولى والأهوال التي واجهوها قد أرجعتهم إلى التصور الصحيح وإفراد التوكل على الله سبحانه «5» .
ولعل من المناسب أن نشير إلى تصرفات بعض الأعراب والطلقاء الذين لم تكن تهمهم نتائج الصراع ومدلولاته بقدر ما كان يعنيهم الحصول على الغنائم «6» ، وكذلك بعض زعماء قريش الذين كانوا يقفون في مؤخرة جيش المسلمين يراقبون تطور المعركة وينتظرون معرفة المنتصر فيها «7» .
كانت قوات المشركين قد سبقت المسلمين إلى وادي حنين، فاختاروا مواقعهم، ووزعوا قواتهم، وأحكموا خطتهم التي اعتمدت على الاستفادة من طبوغرافية الموقع وثناياه وأشجاره وانحدار طريق المسلمين إليهم، وعلى المفاجأة ومباغتة المقاتلة المسلمين بالنبال بهدف إبادتهم، وكانت معنوياتهم عالية بسبب كثرتهم وشجاعتهم
__________
(1) الواقدي- المغازي 3/ 890، الهيثمي- كشف الأستار 2/ 346- 347، ابن إسحاق: ابن هشام- السيرة 4/ 124، البيهقي- دلائل 5/ 123.
(2) أبو داود- السنن 1/ 210، 2/ 9، وانظر ابن حجر- الإصابة 1/ 86.
(3) القرآن الكريم- سورة الأعراف، الآية/ 138.
(4) الترمذي- السنن 3/ 321- 322، النسائي- السنن الكبرى (تحفة الاشراف (11/ 112، حديث 15516) ، أحمد المسند 5/ 218، ابن كثير- التفسير 2/ 243.
(5) ذكر القرآن الكريم ذلك صراحة: انظر سورة التوبة، الآية/ 25، وما بعدها، وانظر الدارمي- السنن 5/ 135، أحمد- المسند 4/ 333.
(6) البخاري- الصحيح 4/ 25، مسلم- الصحيح 3/ 1401.
(7) ابن كثير- البداية والنهاية 4/ 368 من رواية موسى بن عقبة عن الزهري مرسلا.

الصفحة 376