كتاب نضرة النعيم في مكارم أخلاق الرسول الكريم (اسم الجزء: 1)
أيّها النّاس: اتّقوا الله في النّساء فإنّكم أخذتموهنّ بأمانة الله واستحللتم فروجهنّ بكلمة الله، وإن لكم عليهنّ ألّا يوطئن فرشكم أحدا تكرهونه، فإن فعلن ذلك فاضربوهنّ ضربا غير مبرّح، ولهنّ عليكم رزقهنّ وكسوتهنّ بالمعروف، وإنّي قد تركت فيكم ما لن تضلّوا بعد إن اعتصمتم به، كتاب الله. وأنتم تسألون عنّي فما أنتم قائلون؟» ، قالوا نشهد أنّك قد بلّغت رسالات ربّك، وأدّيت، ونصحت لأمّتك، وقضيت الّذي عليك، فقال صلّى الله عليه وسلّم:
«اللهمّ اشهد» «1» .
وقد ألقى الرسول صلّى الله عليه وسلّم خطبا أخرى في مزدلفة ومنى، فأكد في عرفات أن عرفة كلها موقف، وقال حين وقف في قزح صبيحة المزدلفة: «هذا الموقف وكلّ المزدلفة موقف» «2» . ثم لما نحر بالمنحر في منى، قال: «هذا المنحر وكلّ منى منحر» . وقال في إحدى خطبه في منى: «لا ترجعوا من بعدي كفّارا يضرب بعضكم رقاب بعض» «3» .
وهكذا قضى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم الحج، وقد أرى المسلمين مناسكهم، وأعلمهم ما فرض الله عليهم في حجهم، من الموقف ورمي الجمار، وطواف بالبيت، وما أحل لهم من حجهم، وما حرم عليهم، فكانت حجة البلاغ، وحجة الوداع، وذلك أن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم لم يحج بعدها «4» .
وقد وافى علي بن أبي طالب- رضي الله عنه- عند عودته من اليمن، رسول الله صلّى الله عليه وسلّم في الحج، فحج معه «5» ، وقد اشتكى بعض الجند عليّا عند النبي صلّى الله عليه وسلّم أنه اشتد في معاملتهم، وأنه استرجع منهم حللا كان نائبه على اليمن قد وزعها عليهم، فأوضح لهم النبي صلّى الله عليه وسلّم في غدير خم قرب الجحفة مكانة عليّ وفضله لينتهوا عن الشكوى «6» . وقال صلّى الله عليه وسلّم: «من كنت مولاه فعليّ مولاه» «7» .
__________
(1) مسلم- الصحيح بشرح النووي 8/ 170، وهو أهم المرويات الصحيحة التي وردت فيها أحكام حجة النبي صلّى الله عليه وسلّم ووصاياه فيها وهو حديث جابر- رضي الله عنه- الذي رواه مسلم وتفرد به، ولم يرد في صحيح البخاري، ورواه أبو داود، ونقل النووي قول القاضي عياض: «وتكلم الناس على ما فيه من الفقه وأكثروا وصنف فيه أبو بكر بن المنذر جزءا كبيرا وخرّج فيه من الفقه مائة ونيفا وخمسين نوعا، ولو تقصى لزيد على هذا القدر قريبا منه ... » ، وانظر تخريجه في كتاب «حجة النبي صلّى الله عليه وسلّم» للألباني ص/ 38- 41، ووردت بعض الخطبة في صحيح البخاري (فتح الباري 8/ 108، ورواه أئمة الحديث في كتبهم مقطعا في أبواب متفرقة متعددة من طرق صحيحة، وانظر أحمد- الفتح الرباني 21/ 280- 1، البيهقي- دلائل 5/ 449، الحاكم- المستدرك 1/ 93، البزار- كشف الأستار (رقم 1524) .
(2) ابن هشام- السيرة 4/ 605- 606.
(3) البخاري- الصحيح (فتح الباري 8/ 107 حديث 4403) ، مسلم- الصحيح 1/ 82 (حديث 65- 66) ، احمد- الفتح الرباني 12/ 210- 212، ابن القيم- زاد المعاد 2/ 101- 311.
(4) ابن هشام- السيرة 4/ 606 برواية ابن إسحاق.
(5) المرجع السابق 4/ 602- 603، وأورد ابن كثير- البداية 5/ 209 رواية قوية جيدة الإسناد.
(6) ابن كثير- البداية 5/ 212.
(7) أحمد- فضائل الصحابة 2/ 594 (رقم 1010) بإسناد صحيح، المسند 4/ 164، وأخرجه النسائي في السنن الكبرى، كما في تحفة الأشراف (3/ 13) من طريق يحيى بن آدم، والنسائي- الخصائص (ص/ 20) وابن ماجه 1/ 44، وانظر المسند أيضا 5/ 419، (بإسناد صحيح الحاكم المستدرك 3/ 110، والترمذي 5/ 63، وأحمد 5/ 347 عن ابن عباس. وأخرجه أبو بكر بن أبي شيبة عن بريدة، وجابر، وأبي هريرة (المطالب العالية 4/ 59- 60) ، وعقد الهيثمي في مجمعه (9/ 103) بابا في ذلك ذكر فيه طرقا كثيرة جدّا غير ما أسلفنا.