كتاب نضرة النعيم في مكارم أخلاق الرسول الكريم (اسم الجزء: 1)

شبعوا ثمّ خرجوا. ثمّ قال: «ائذن لعشرة» حتّى أكل القوم كلّهم وشبعوا. والقوم سبعون رجلا أو ثمانون» «1» .
- قصّة جابر بن عبد الله- رضي الله عنهما- في غزوة الخندق:
ومن تكثيره الطّعام صلّى الله عليه وسلّم أيضا، ما وقع مع جابر بن عبد الله- رضي الله عنهما- في الخندق حيث يقول جابر:
«لمّا حفر الخندق رأيت برسول الله صلّى الله عليه وسلّم خمصا «2» . فانكفأت «3» إلى امرأتي. فقلت لها: هل عندك شيء؟ فإنّي رأيت برسول الله صلّى الله عليه وسلّم خمصا شديدا. فأخرجت لي جرابا «4» فيه صاع من شعير. ولنا بهيمة «5» داجن «6» قال: فذبحتها وطحنت. ففرغت إلى فراغي. فقطّعتها في برمتها. ثمّ ولّيت إلى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فقالت: لا تفضحني برسول الله صلّى الله عليه وسلّم ومن معه. قال: فجئته فساررته. فقلت: يا رسول الله! إنّا قد ذبحنا بهيمة لنا. وطحنت صاعا من شعير كان عندنا.
فتعال أنت في نفر معك. فصاح رسول الله صلّى الله عليه وسلّم وقال: «يا أهل الخندق! إنّ جابرا قد صنع لكم سورا «7» فحيهلا «8» بكم «وقال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «لا تنزلنّ برمتكم ولا تخبزنّ عجينتكم، حتّى أجيء» فجئت وجاء رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يقدم النّاس. حتّى جئت امرأتي. فقالت: بك. وبك «9» . فقلت: قد فعلت الّذي قلت لي «10» . فأخرجت له عجينتنا فبصق فيها وبارك. ثمّ عمد إلى برمتنا فبصق فيها وبارك. ثمّ قال: «ادعي خابزة فلتخبز معك، واقدحي من برمتكم «11» ولا تنزلوها» وهم ألف. فأقسم بالله! لأكلوا حتّى تركوه وانحرفوا «12» . وإنّ برمتنا لتغطّ «13» كما هي.
وإنّ عجينتنا- أو كما قال الضّحّاك- لتخبز كما هو «14» » «15» .
__________
(1) رواه البخاري. انظر الفتح 6 (3578) . ورواه مسلم- واللفظ له- برقم (2040) .
(2) خمصا: الخمص خلاء البطن من الطعام.
(3) فانكفأت: أي انقلبت ورجعت.
(4) جرابا: هو وعاء من جلد معروف. بكسر الجيم وفتحها. والكسر أشهر.
(5) بهيمة: تصغير بهمة. وهي الصغيرة من أولاد الضأن. قال الجوهري: وتطلق على الذكر والأنثى كالشاة والسخلة الصغيرة من أولاد المعز.
(6) داجن: الداجن ما ألف البيوت.
(7) سورا: بضم السين وإسكان الواو، غير مهموز، هو الطعام الذي يدعى إليه. وقيل الطعام مطلقا. وهي لفظة فارسية.
(8) فحيهلا: بتنوين هلا، وقيل: بلا تنوين، على وزن علا. ومعنى حيهل، عليك بكذا، أو ادع بكذا، هكذا قاله أبو عبيد وغيره. وقيل: معناه اعجل به. وقال الهروي: معناه هات وعجل به.
(9) بك وبك: أي ذمته ودعت عليه. وقيل: معناه بك تلحق الفضيحة وبك يتعلق الذم وقيل: معناه جرى هذا برأيك وسوء نظرك وتسيبك.
(10) قد فعلت الذي قلت لي: معناه أني أخبرت النبي صلّى الله عليه وسلّم بما عندنا، فهو أعلم بالمصلحة.
(11) واقدحي من برمتكم: أي اغرفي. والمقدح المغرفة- يقال: قد قدحت المرق أقدحه، غرفته.
(12) تركوه وانحرفوا: أي شبعوا وانصرفوا.
(13) لتغط: أي تغلي ويسمع غليانها.
(14) كما هو: يعود إلى العجين. انظر فيما سبق شرح النووي على صحيح مسلم (13/ 215- 217) .
(15) رواه البخاري. انظر الفتح 7 (4102) . ورواه مسلم- واللفظ له- برقم (2039) .

الصفحة 531