كتاب المغني لابن قدامة ت التركي (اسم الجزء: 6)

داوُدُ، فقال: لا يَثْبُتُ الخِيارُ بِتَصْرِيَةِ البَقَرَةِ، لأنَّ الحَدِيثَ: "لَا تُصَرُّوا الْإبِلَ والغَنَمَ" (١). فدَلَّ على أنَّ ما عَداهُما بِخِلافِهِما، ولأنَّ الحُكْمَ ثَبَتَ فيهما بالنَّصِّ، والقِيَاسُ لا تَثْبُتُ به الأحْكامُ. ولَنا، عُمُومُ قولِه: "مَن اشْتَرَى مُصَرَّاةً فَهُو بالْخِيَارِ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ" (٢). وفي حَدِيثِ ابن عمرَ: "مَن ابْتَاعَ مُحَفَّلَةً" (٢). ولم يُفَصِّلْ، ولأنَّه تَصْرِيَةٌ بِلَبَنٍ من بَهِيمَةِ الأنْعامِ، أشْبَه الإبِلَ والغَنَمَ، والخَبَرُ فيه تَنْبِيهٌ على تَصْرِيَةِ البَقَرِ؛ لأنَّ لَبَنَها أغْزَرُ وأكْثَرُ نَفْعًا. وقولهم: إنَّ الأحْكامَ لا تَثْبُتُ بالقِياسِ. مَمْنُوعٌ. ثم هو هاهُنا ثَبَتَ بِالتَّنبِيهِ، وهو حُجَّةٌ عند الجَمِيعِ.

فصل: إذا اشْتَرَى مُصَرَّاتَيْنِ أو أكْثَرَ في عَقْدٍ واحِدٍ، فرَدَّهُنَّ، رَدَّ مع كلِّ مُصَرَّاةٍ صاعًا. وبهذا قال الشَّافِعِيُّ، وبعضُ أصْحابِ مالِكٍ. وقال بعضُهم: في الجِمِيعِ صاعٌ واحِدٌ، لأنَّ رسولَ اللَّه -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-قال: "مَن اشْتَرَى غَنَمًا مُصَرَّاةً فاحْتَلَبَها فإنْ رَضِيَها أمْسَكَها، وإنْ سَخِطَهَا ففى حَلْبَتِها صَاعٌ مِنْ تَمْرٍ" (٣). ولنا، عُمُومُ (٤) قوله: "مَن اشْتَرَى مُصَرَّاةً" و "من اشْتَرَى مُحَفَّلَةً". وهذا يَتَناولُ الواحِدَةَ. ولأنَّ ما جُعِلَ عِوَضًا عن الشىءِ في صَفْقَتَيْنِ، وَجَبَ إذا كان في صَفْقَةٍ واحِدَةٍ، كأرْشِ العَيْبِ، وأمَّا الحَدِيثُ فإنَّ الضَّمِيرَ يَعُودُ إلى الواحِدَةِ.

فصل: فإن اشْتَرَى مُصَرَّاةً من غيرِ بَهِيمَةِ الأنْعامِ، كالأمَةِ والأتانِ والفَرَسِ، ففيه وَجْهانِ، أحدُهما، يَثْبُتُ له الخِيارُ، اخْتارَه ابنُ عَقِيلٍ، وهو ظاهِرُ مذهبِ الشَّافِعِيِّ، لِعُمُومِ قولِه: "مَن اشْتَرَى مُصَرَّاةً " و "من اشْتَرَى مُحَفَّلَةً". ولأنَّه تَصْرِيَةٌ بما يَخْتَلِفُ الثَّمَنُ به، فأثْبَتَ الخِيارَ، كَتَصْرِيَةِ بَهِيمَةِ الأنْعامِ، وذلك أنَّ
---------------
(١) تقدم تخريجه في صفحة ٢١٥.
(٢) تقدم التخريج في صفحة ٢١٦.
(٣) انظر مواضع التخريج في صفحة ٢١٨
(٤) سقط من الأصل.

الصفحة 222