كتاب المغني لابن قدامة ت التركي (اسم الجزء: 13)

كالْمَعارِيضِ، وبيانُ احْتِمالِ اللَّفْظِ، أنَّه يسُوغُ فى كلامِ العَرَبِ التَّعْبِيرُ بالخاصِّ عن العامِّ، قال اللَّه تعالى: {مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ} (٣). {وَلَا يُظْلَمُونَ فَتِيلًا} (٤). {فَإِذًا لَا يُؤْتُونَ النَّاسَ نَقِيرًا} والقِطْميرُ: لُفافَةُ النَّواةِ. والفَتِيلُ: ما فى شَقّها. والنَّقِيرُ: النّقْرَةُ التى فى ظَهْرِها. ولم يُرِدْ ذلك بعَيْنِه، بل نَفَى كلَّ شىءٍ، وقال الحُطَيْئَةُ (٥) يهْجُو بنى العَجْلان:
* وَلَا يَظْلِمُونَ النَّاسَ حَبَّةَ خَرْدَلِ *
ولم يُرِدِ الحَبَّةَ بعَيْنِها، إنَّما أرادَ لا يَظْلِمُونَهم شيئًا. وقدْ يُذْكَرُ العامُّ ويُرادُ به الخاصُّ، كقولِه تعالى: {الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ} (٦) -يعنى رجلًا واحدًا-. {إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ} (٦). يعنى أبا سفيان. وقال تعالى: {تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ} (٧). ولم يُرِدِ السماءَ والأرْضَ (٨) ولا مَساكِنَهم. وإذا احْتَمَلَه اللَّفْظُ، وَجَبَ صَرْفُ اليَمِينِ إليه؛ لقولِ النَّبِىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-: "إنَّما لِامْرِئٍ مَا نَوَى" (٩). ولأَنَّ كلامَ الشارِعِ يُحْمَلُ على مرادِه به (١٠)، إذا ثَبَتَ ذلك بالدَّليلِ، فكذلك كلامُ غيرِه. وقَوْلُهم: إِنَّ الحِنْثَ مُخالَفَةُ ما عُقِدَ عليه اليَمِينُ. قُلْنا: وهذا كذلك، [فإن اليَمِينَ] (١١) انْعَقَدَتْ (١٢) على ما نَواهُ، ولَفْظُه مصروفٌ إليه، وليستْ هذه نِيَّةً مُجَردةً، بل لفظٌ مَنْوِىٌّ به ما يَحْتَمِلُه.

فصل: ومِنْ شَرْطِ انْصِرافِ اللَّفْظِ إلى ما نَواهُ، احْتمالُ اللَّفْظِ له، فإنْ نَوَى ما لا يَحْتَمِلُه اللّفْظُ، مثل أَنْ يحْلِفَ لا يأْكُلُ خُبْزًا، يَعْنِى به لا يَدْخُلُ بيتًا، فإِنَّ يَمِينَه لا
---------------
(٣) سورة فاطر ١٣.
(٤) سورة النساء ٤٩.
(٥) كذا نسبه إلى الحطيئة، وهو للنجاشى، وتقدم فى: ١٠/ ٣٦٢.
(٦) سورة آل عمران ١٧٣.
(٧) سورة الأحقاف ٢٥.
(٨) فى أ، ب: "ولا الأرض".
(٩) تقدم تخريجه، فى: ١/ ١٥٦.
(١٠) سقط من: م.
(١١) فى م: "فإنما".
(١٢) فى م زيادة: "عليه اليمين".

الصفحة 544