كتاب المغني لابن قدامة ت التركي (اسم الجزء: 14)

أقارِبِه. وقد (٢) قال: قالَ اللهُ تعالى: {يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ} (٣). واخْتَلفَ أهلُ العلمِ فيما تجوزُ الشَّهادةُ عليه بالاسْتِفاضَةِ، غيرِ النَّسَبِ والوِلادةِ، فقال أصحابُنا: هو تِسعةُ أشياءَ؛ النِّكاحُ، والمِلكُ المُطْلَقُ، والوَقْفُ، ومَصْرِفُه، والمَوْتُ، والعِتْقُ، والوَلاءُ، والوِلَايةُ، والعَزْلُ. وبهذا قال [أبو سعيدٍ الإصْطَخْرِىُّ، وبعضُ] (٤) أصْحابِ الشَّافعىِّ. وقال بعضُهم: لا تجوزُ فى الوَقفِ والوَلاءِ والعِتْقِ والزَّوْجيَّةِ، لأنَّ الشَّهادةَ مُمْكِنَةٌ فيه بالقَطْعِ، فإنَّها (٥) شهادةٌ (٦) بعَقْدٍ، فأشْبَهَ سائرَ العُقودِ. وقالَ أبو حنيفةَ: لا تُقْبلُ [إلَّا فى النِّكاحِ، والمَوتِ، ولا تُقبلُ] (٧) فى المِلْكِ المُطلَقِ؛ لأنَّها (٨) شهادةٌ بمالٍ، أشْبَهَ الدَّينَ. وقال صاحِبَاه: تُقْبَلُ فى الوَلاءِ، مثل عِكْرِمَةَ مولَى ابنِ عبَّاسٍ. ولَنا، أنَّ هذه الأشياءَ تتعذَّرُ الشَّهادةُ عليها فى الغالبِ بمُشاهدتِها، أو مُشاهدةِ أسبابِها، فجازَتِ الشَّهادةُ عليها بالاسْتِفاضَةِ كالنَّسَبِ. وقال مالكٌ: ليس عندَنا مَن يشْهَدُ على أحْباسِ أصحابِ رسولِ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- إلَّا بالسَّماعِ. وقال مالكٌ: السَّماعُ فى الأحْباسِ والوَلاءِ جائزٌ. وقال أَحمدُ، فى روايةِ المَرُّوذِىِّ: اشْهَدْ أنَّ دارَ بَخْتانَ لبَخْتَانَ، وإن لم يُشْهدْكَ. وقيل له: تَشْهَدُ أنَّ فُلانةَ امرأةُ فلانٍ، ولم تَشْهَدِ النِّكاحَ؟ فقال: نعم، إذا كانَ مُسْتفيضًا، فأشْهَدُ أقولُ: إنَّ فاطمةَ ابنةَ رسولِ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، وإنَّ خَديجةَ وعائشةَ زَوجَتاه (٩)، وكلُّ أحدٍ يشهدُ بذلك مِن غيرِ مُشاهَدةٍ. فإن قيلَ: يُمْكِنُه (١٠) العِلمُ فى هذه الأشياءِ بمُشاهدةِ السَّببِ. قُلْنا: وجودُ السَّبَبِ لا يُفِيدُ العِلمَ بكونِه سَبَبًا يَقِينًا، فإنَّه يجوزُ أنْ يَشْترِىَ ما ليس بمِلْكِ البائعِ (١١)، ويَصْطادَ صيدًا صادَه غيرُه، ثم انْفلتَ منه، وإن تُصُوِّرَ ذلك، فهو نادرٌ.
---------------
(٢) سقطت: "قد" من: أ، ب، م.
(٣) سورة البقرة ١٤٦.
(٤) سقط من: الأصل.
(٥) فى الأصل، أ: "فإنه".
(٦) فى أ: "يشاهد".
(٧) سقط من: الأصل. نقل نظر.
(٨) فى الأصل، أ: "لأنه".
(٩) فى ب، م: "زوجاه".
(١٠) فى الأصل بعد هذا: "أهل".
(١١) فى الأصل: "للبائع".

الصفحة 142