كتاب مجموع رسائل ابن رجب (اسم الجزء: 1)
فإنَّه تعالى جعل لكل شيء حدًّا، فجعل للمباح حدًّا وللحرام حدًّا، وأمر بالاقتصاد عَلَى حد المباح وأنْ لا يتعدى، ونهى عن قربان حد الحرام.ومما سمِّي فيه المحرمات حدودًا، قول النبي: "مَثَلُ القَائِمِ عَلَى حُدُودِ اللَّهِ وَالمُدَاهِنِ (¬1) فِيهَا كَمَثَلِ قَوْمٍ اقْتَسَمُوا سَفِينَةٍ ... " (¬2) الحديث المعروف. والمراد بالقائم عَلَى حدود الله: المنكر للمحرمات والناهي عنها.
وفي حديث ابن عباس، عن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: "أَنَا آخِذٌ بِحُجَزِكُمْ (¬3) اتَّقُوا النَّارِ، اتَّقُوا الحُدُودَ -قالها ثلاثا". خرَّجه الطبراني والبزار (¬4). ومُراده بالحدود: محارم الله ومعاصيه -وقد تطلق الحدود باعتبار العقوبات المقدَّرة الرادعة عن الجرائم المغلَّظة. فيقال: حد الزنا، حد السرقة، حد شرب الخمر.
وهو هذا المعروف من اسم الحدود في اصطلاح الفقهاء؛ ومنه قول النبي - صلى الله عليه وسلم - لأسامة: "أَتَشْفَعُ فِي حَدٍّ مِنْ حُدُودِ اللَّهِ" (¬5) لما شفع في المرأة التي سرقت.
وفي حديث: «أَقِيمُوا الْحُدُودَ فِي الْحَضَرِ وَالسَّفَرِ عَلَى الْقَرِيبِ وَالْبَعِيدِ» (¬6).
وقال علي: أقيموا الحدود عَلَى ما ملكت أيمانكم (¬7).
وأمّا قوله - صلى الله عليه وسلم - في حديث أبي بردة: «لاَ تَجْلَدُ فَوْقَ عَشْرِ جَلَدَاتٍ إِلَّا فِي حَدٍّ مِنْ حُدُودِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ» (¬8) فقد اختلفوا في المراد بالحد هنا: هل هو الحدود المقدَّرة شرعًا، أم المُراد بالحد ما حدّه الله ونهى عن قربانه؛ فيدخل فيه سائر
¬__________
(¬1) المداهنة والإدهان كالمصانعة، وداهن: أظهر خلاف ما أضمر. "اللسان" مادة: (دهن).
(¬2) أخرجه البخاري (2493، 2686) من حديث النعمان بن بشير.
(¬3) أصل الحجزة موضع ضد الإزار، ثم قيل للإزار: حجزة للمجاورة. "اللسان" مادة: (حجز).
(¬4) أخرجه الطبراني في "الكبير" (11/ 10953)، و"الأوسط" (2874)، والبزار كما في "كشف
الأستار" (3480).
(¬5) أخرجه البخاري (2375، 3732، 3733، 6887، 6788، 6800)، ومسلم (1688).
(¬6) أخرجه أحمد (5، 314، 316، 326).
(¬7) أخرجه أبو داود (4473)، والنسائي في "الكبرى" (4/ 304)، أحمد (1/ 89، 95، 145) عن
علي مرفوعًا.
(¬8) أخرجه البخاري (6848، 864، 6850)، ومسلم (1708).