عن عاصم (¬1) بن أبي النَجود من طريق المُفضل (¬2) أنه قرأ برفعها "أمهاتُهمُ" فأما بنو تميم وغيرهم من العرب ما خلا أهل الحجاز ومن تكلّم بلغتهم، فـ "ما" غير مُعملة عندهم، إذ كانت لا تختص بالاسم دون الفعل، ولا بالفعل دون الاسم، لأنك كما تقول: ما زيدٌ قائم، تقول: ما قام زيد، وما يقوم زيد، فجرت عندهم مجرى "هل"، ولم يراعوا شبهها بـ "ليس" في النفي.
والذين أعملوها عمل "ليس" لشبهها بها يعملونها عملها في حالةٍ مخصوصة؛ وهي بقاء النفي عليها، ولزوم الترتيب في تقديم الاسم على الخبر، فإن انتقض النفي بحرف موجب، أو قُدم الخبر على الاسم أبطلوا عملها، وعادوا إلى لغة التميميين فصار حكمها عند الجميع واحداً في كونها حرفاً غير عامل، دخل لمعناه فقط؛ وذلك حكم "هل" فتقول: ما قائمٌ زيد وما زيدٌ إلا قائم.
وانتقاض النفي ينبغي أن يكون أشد (¬3) في إبطال العمل من تقديم الخبر؛ ولهذا روي عن بعض العرب نصبُ الخبر مقدماً، فحكوا: "ما مسيئاً من أعتب" (¬4)، والأكثر الأعرف غير ذلك.
¬__________
(¬1) عاصم بن بهدلة بن أبي النجود الأسدي (00 - 127/ 745)، حجة في القراءة، وحديثه في الصحيين، طبقات القراء 1: 346.
(¬2) المفضل هو المفضل بن صدقة أو حماد الكوفي، ذكره الأهوازي فيمن قرأ على عاصم توفي سنة (161/ 782). غاية النهاية في طبقات القراء 2: 306.
(¬3) في (ج) و (د): أشد تأثيراً من إبطال العمل.
(¬4) روايته في الكتاب 1/ 29، والمقتضب 4: 190 "ما مسي ممن أعتب". وفي مجمع الأمثال 2: 288 "ما أساء من أعتب" يضرب لمن يعتذر إلى صاحبه ويخبر أنه سيعتب.