كتاب الإنصاف في معرفة الراجح من الخلاف ت التركي (اسم الجزء: 28)

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
أحمدُ، في مَن وَلِيَ شيئًا مِن أمْرِ السُّلْطانِ: لا أحِبُّ له أنْ يقْبَلَ شيئًا؛ يُرْوَى: «هَدَايا الأمَراء غُلُول» (¬1). والحاكِمُ خاصَّةً لا أُحِبُّه له، إلَّا ممَّنْ كانَ له به خُلْطَة ووُصْلَةٌ ومُكافَأَة قبلَ أنْ يلِيَ. واخْتارَ الشَّيخُ تَقِيُّ الدِّينِ رحِمَه اللهُ، في مَن كسَبَ مالًا مُحَرَّمًا برِضَى الدَّافِعِ، ثم تابَ؛ كثَمَنِ خمْر ومَهْرِ بَغِيّ، وحُلْوانِ كاهِن، أنَّ له ما سَلَفَ. وقال أيضًا: لا ينْتَفِعُ به ولا يرُدُّه، لقَبْضِه عِوَضَه، ويتَصَدَّقُ به، كما نصَّ عليه الإمامُ أحمدُ، رحِمَه اللهُ، في حامِلِ الخَمْرِ. وقال في مالٍ مُكْتَسَبٍ مِن خمْر ونحوه: يتَصَدَّقُ به، فإذا تصَدَّقَ به، فلِلْفَقِيرِ أكلُه، ولوَلِيِّ الأمْرِ أنْ يُعْطِيَه لأعْوانِه. وقال أيضًا في مَن تابَ: إنْ عَلِمَ صاحِبَه، دفَعَه إليه، وإلَّا دفَعَه في مَصالحِ المُسْلِمين، وله -مع حاجَتِه- أخْذُ كِفايته. وقال في الرَّدُّ على الرَّافِضِي، في بَيع سَلاح في فِتْنَةٍ وعِنَبٍ لخَمْرٍ: يتَصَدَّق بثَمَنِه. وقال: هو قولُ مُحَققِي الفُقَهاءِ. قال في «الفُروعِ»: كذا قال، وقوْلُه مع الجماعَةِ أوْلَى. وتقدَّم ما يقْرُبُ مِن ذلك في بابِ الغصْبِ، عندَ قوْلِه: وإنْ بَقِيَتْ في يَدِه غُصُوب لا يعْرِفُ أرْبابَها.
الخامسةُ، لا يجوزُ إعْطاءُ الهَدِيَّةِ لمَن يشْفَعُ عندَ السُّلْطانِ ونحوه. ذكَرَه القاضي، وأوْمَأ إليه؛ لأنها كالأجْرَةِ، والشَّفاعَةُ مِن (¬2) المَصالحِ العامَّةِ، فلا يجوزُ أخْذُ الأجْرَةِ عليها (¬3)، وفيه حدِيث صَرِيحٌ في السُّنَنِ (¬4). ونصُّ الإمامُ أحمدُ،
¬_________
(¬1) رواه الإمام أحمد، في: المسند من حديث أبي حميد الساعدي مرفوعًا، بلفظ «هدايا العمال». المسند 5/ 424. وبلفظه أخرجه البيهقي، في: باب هدايا الأمراء غلول، من كتاب آداب القاضي. السنن الكبرى 10/ 138. وانظر تلخيص الحبير 4/ 189، 190.
(¬2) في الأصل: «على».
(¬3) في الأصل، ط: «عليه».
(¬4) وهو قول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «من شفع لأخيه بشفاعة فأهدى له هدية عليها فقبلها فقد أتى بابًا عظيما من أبواب الربا». أخرجه أبو داود، في: باب في الهدية لقضاء الحاجة، من كتاب البيوع. سنن أبي داود 2/ 261.

الصفحة 359