كتاب المسالك في شرح موطأ مالك (اسم الجزء: 1)

فإن قيل: لو كان العَزمُ على الفعلِ بَدَلًا لأسقطها إذا فُعِلَ، كسائرٍ الأبدالِ إذا فُعِلَت سَقَطَتْ مُبْدَلاَتُهَا. الجوابُ: أنّ سائرَ المُبْدَلاتِ إنّما سقَطَت بأبدالها؛ لأنّها جُعِلَت بَدَلًا عن أصل الفعل، وفي مسألتِنَا جَعَل العَزمَ بَدَلًا عن تأخيرِ الفعلِ، وقد أدخل الدارقطنيُّ (¬1) هذا الحديثَ (¬2) في أوهام مالكٍ؛ لمخالفَةِ الجماعةِ له فيه، وانفرادِهِ دونَهم به، والله أعلم.

حديثٌ ثامن:
مالك (¬3)، عن ابنِ شهابٍ، عن أنسٍ؛ أنَّه قال: كنّا نُصَلِّي العصرَ، ثمَّ يذهَبُ الذّاهبُ إلى قُبَاءٍ، فَيَأتِيهِمْ والشَّمشُ مُرتَفِعَةٌ.
الإسناد:
قال الإمام (¬4): هذا حديثٌ مرفوعٌ عند أهل العِلْمِ بالحديثِ؛ لأنّ مَعْمَرًا وغيرَهُ من الحُفَّاظِ قالوا فيه: عن الزُّهريِّ، عن أنس؛ أنّ رسولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - كان يُصَلِّي العصرَ، ويذهبُ الذَّاهبُ إلى الْعَوَالِي والشَّمسُ مرتفعةٌ.
قال الإمام (¬5): ولم يختلف فيه عن مالك أنَّه قال فيه: "إلَى قُبَاءٍ" (¬6) ولم يتابِعْه على ذلك أحدٌ من أصحاب ابنِ شهابٍ، وسائرُ أصحابه (¬7) يقولون: "ثمَّ يذهبُ الذاهبُ إلى الْعَوَالِي" وهو الصّواب عند أهل الحديث والنقل، والمعنى في ذلك قريبٌ.
¬__________
(¬1) في كتابه الإلزمات والتَّتَبُّع: 457 - 458 قال: هذا مما ينتقد به على مالك؛ لأنّه رفعه وقال: إلى قباء، وخالفه عدد كثير ... ".
(¬2) أي حديث أنس في الموطأ (11) رواية يحيى.
(¬3) في الموطأ (11) رواية يحي.
(¬4) هذه الفقرة مقتبسة من التّمهد: 6/ 178.
(¬5) الفقرتان الأولى والثالثة مقتبستان من الاستذكار: 1/ 70 (ط. القاهرة) أمّا الثانية فهي مقتبسة من التمهيد: 6/ 179.
(¬6) رواه عن مالك بهذا اللّفظ: محمَّد بن الحسن (3)، وابن القاسم (5)، والقعنبي (12)، وسويد (10)، والزهريّ (11).
(¬7) أي أصحاب ابن شهاب. وانظر الأحاديث الّتي خُولف فيها مالك للدارقطني 63 - 65.

الصفحة 395