كتاب المسالك في شرح موطأ مالك (اسم الجزء: 2)

بأنه بَدَلَ من الوضوءِ، فيُحمَلُ مَحمَل البَدَلِ والمبدولِ به، وفي الحديث: "إنّ التّيمُّمَ ضربةٌ للوَجهِ والذِّراعَينِ" (¬1)، وفي صَرِيح الصّحيح؛ أنَّه ضَربَة للوَجه والكفَّين (¬2)، فبيَّنَ ذلك النّبيّ - صلّى الله عليه وسلم - للخَلْق، وعَلَّمَهُ للأُمَّة، فليس لأحدٍ في ذلك رأيٌ.
حديث (¬3) عمّار بن ياسر؛ أنّه قال: لما نزلت آيةُ التَّيمُّم، عَمَدَ المسلمونَ مع رسولِ الله - صلّى الله عليه وسلم - فَتَيَمَّمُوا إلى المناكِبِ والآباط (¬4). فيحتمل أنّ يكونوا فعلوا ذلك بناءً على ظاهر القرآن (¬5)، قبل أنّ يأمرهم النّبيُّ صلّى الله عليه بشيءٍ في ذلك، إذ لا يوجد ذلك للنّبيِّ - صلّى الله عليه وسلم - في غير هذا الحديث، فافترقت من هاهنا المذاهب، حتّى ذهب ابن شهاب ومحمد بن مَسلَمة من أصحابنا إلى أنّ التَّيمُّم لا يجب إلَّا إلى المرفقين (¬6)، على ما رُوِيَ عن النّبيِّ صلّى الله عليه، وقياسًا على الوضوء كما تقدَّمَ ذِكرُه، وهو مذهبُ الشّافعيّ (¬7) وأكثر أهل العلم، وإليه ذهب ابن نافع وابن عبد الحَكَم.
ومنهم من ذهب إلى أنّ التَّيمُّم لا يجب إلَّا إلى الكَوعَين، قياسًا على القَطع في السِّرِقَة.
وقيل في ذلك: إنّه ضربةٌ واحدةٌ للوجه واليدين، والصّحيح (¬8) أنّه ضربتان: ضربةٌ للوجه، وضربة لليدين. فهذه ستَّةُ أقوالٍ. ومن الغريب (¬9) قول الحسن وابن أبي لَيلَى أنّ
¬__________
(¬1) أخرجه الدارقطني: 1/ 182، والحاكم: 1/ 180 (ط. الهند) وصحَّحَ إسناده، من حديث جابر وانظر الكلام على الحديث في تلخيص الحبير: 1/ 152.
(¬2) أخرجه البخاريّ (338)، ومسلم (368) من حديث عمار بن ياسر.
(¬3) من هنا إلى آخر المسألة مقتبس من المقدِّمات الممهدات: 1/ 113 - 114.
(¬4) أخرجه أحمد: 4/ 321، وأبو داود (317)، ومن طريقه البيهقي: 1/ 208، وانظر نصب الراية: 1/ 155
(¬5) في المقدِّمات زيادة: "بكلِّ ما يقع عليه اسم "يد" عند العرب".
(¬6) اختصر المؤلِّف كلام ابن رشد ممّا أثر على صحّة نسبة الأقوال إلى أصحابها، ففي المقدِّمات: "فمنهم من ذهب إلى إيجاب التَّيمُّم إلى المنكبين، وهو قول ابن شهاب ومحمد بن مسلمة من أصحابنا، ومنهم من ذهب إلى أنّ التَّيمُّم لا يجب إلَّا على المرفقين".
(¬7) في الأم: 1/ 192، وانظر الحاوي الكبير: 1/ 233 - 234.
(¬8) قوله: "والصحيح" من زيادات المؤلِّف على نصّ ابن رشد.
(¬9) قوله: "ومن الغريب" من زيادات المؤلِّف على نصّ ابن رشد.

الصفحة 236