كتاب المسالك في شرح موطأ مالك (اسم الجزء: 2)

الفصل الأوّل في اختلاف السّبب الباعث لهم على ذلك
فقال علماؤنا (¬1): إنّما كان ذلك؛ لأنّهم كانوا قبل بيان الله لهم لا يُسَاكِنُونَ حائضًا ولا يؤاكلونها ولا يشاربونها كما كانت اليهود تفعل (¬2)، فعرَّفَهُم اللهُ بهذه الآية؛ أنّ الّذي بهنَّ من الدَّم لا يبلغ أنّ نحرّم به مجامعتهنّ في البيوت ومؤاكلتهن ومشاربتهن، لقوله عزّ وجلّ: {قُلْ هُوَ أَذًى} (¬3)؛ لأنّ الأَذَى لا يُعَبَّر به إلَّا عن المنكر الّذي ليس بشديدٍ، قال الله تعالى: {لَنْ يَضُرُّوكُمْ إِلَّا أَذًى} (¬4) وقال: {إِنْ كَانَ بِكُمْ أَذًى مِنْ مَطَرٍ} الآية (¬5)، فأعلمهمُ اللهُ أنّ الّذي عليهم في أيام حيض نسائهم تَجَنُّبُّ جِمَاعِهِنَّ لا غير. والدليلُ على ذلك: ما ورد في الآية قوله: {فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ} (¬6) أي: فجامِعُوهُنَّ في موضع الجماع (¬7).
وقيل: إنّما سألوه عن ذلك لأنّهم كانوا يجتنبون النِّساء في الحيض ويأتوهنّ في أدبارهن، فلمّا سألوا عن ذلك، أنزل اللهُ تعالى: {وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ} الآية إلى قوله: {فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ} (¬8) أي: في الفَرْج لا تَعْدُوهُ، وهذا أظهر من القول الأوّل وأبْيَن في المعنى.
¬__________
(¬1) المقصود هو الإمام ابن رشد في المقدّمات الممهدات: 1/ 122 ومن هنا إلى آخر الفقرة الثّانية مقتبسٌ من الكتاب المذكور.
(¬2) سبب نزول الآية أخرجه مسلم (302) من حديث أنس، وانظر أسباب النزول للواحدي: 67، والعجاب في بيان الاسباب لابن حجر: 1/ 553.
(¬3) البقر ة: 222.
(¬4) آل عمران: 11.
(¬5) النِّساء: 102.
(¬6) البقرة: 222.
(¬7) تتمة الكلام كما في المقدِّمات: "فدلّ ذلك على أنّه إنّما نَهَى في حال الحيض عمّا نصّ على إباحته بعد الطّهر وهو الجماع في موضع الجماع لا غير".
(¬8) البقرة: 222. وشرح الآية رواه الطّبريّ في تفسيره: 3/ 722 (ط. هجر).

الصفحة 261